رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

«الأغلبية المصطنعة».. كيف يُدار الرأي العام من خلف الشاشات؟

بوابة الوفد الإلكترونية

في زمن تتسارع فيه الأخبار وتشتد فيه المنافسة على جذب الانتباه، لم يعد الرأي العام يتشكل فقط عبر المنابر التقليدية أو النقاشات المباشرة، بل بات الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة لمعركة غير مرئية، تُدار خلف الشاشات بأدوات تقنية معقدة وأساليب نفسية دقيقة، فمع كل حدث سياسي أو أزمة اجتماعية، تمتلئ منصات التواصل بسيل من التعليقات والآراء التي تبدو عفوية، لكنها في أحيان كثيرة تكون جزءًا من تحرك منظم يستهدف توجيه النقاش العام.

الذباب الرقمي

هذه الظاهرة، التي يُطلق عليها «الذباب الرقمي» أو الكتائب الإلكترونية، لم تعد مجرد حسابات عشوائية تسعى لإثارة الجدل، بل تحولت إلى منظومات متكاملة تعمل وفق استراتيجيات مدروسة لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، وصناعة اتجاهات رأي قد لا تعكس المزاج الحقيقي للمجتمع.

معركة وعي منظمة

من جانبه، أكد الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بـالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية،  أن الذباب الرقمي يمثل اليوم معركة وعي حقيقية، تُدار بشكل منظم ومدروس، خاصة في أوقات الأزمات والمناسبات العامة.

وأشار إلى أن عدداً من الدول بات يتعامل مع هذه الظاهرة بجدية، نظرًا لقدرتها على التأثير السريع في اتجاهات النقاش العام، وصناعة أولويات زائفة تُزيح القضايا الجوهرية من دائرة الاهتمام.

وأوضح أن المنظومة لا تقتصر على حسابات وهمية فحسب، بل تشمل روبوتات إلكترونية (Bots)، وبرامج آلية، وحسابات مستعارة، ولجانًا منظمة، بل وأحيانًا أفرادًا حقيقيين يتم توجيههم للترويج لرسائل محددة، قد تكون مضللة أو ذات أهداف تخريبية.

صناعة الأغلبية الوهمية

بحسب رشاد، فإن الهدف الأساسي للذباب الرقمي ليس الإقناع بالحجج، بل خلق انطباع بوجود رأي عام كاسح حول قضية ما. فعندما يواجه المستخدم عشرات التعليقات المتشابهة في الاتجاه ذاته، قد يشعر بأنه ينتمي إلى أقلية، ما يدفعه نفسيًا إلى التراجع أو الصمت، حتى وإن كان رأيه مدعومًا بالمنطق.

وحذر من أن تكرار الرسائل بأسلوب موحد يمنحها قوة وهمية، توحي بانتشارها الواسع، بينما قد تكون صادرة عن شبكة واحدة تتحرك بتنسيق دقيق.

زرع الشك لا المواجهة

الأخطر  وفق أستاذ علم الاجتماع  أن هذه الكتائب لا تسعى غالبًا إلى المواجهة المباشرة، بل إلى زرع الشك وإرباك الثقة، فبدلاً من طرح حجج مضادة، تعمل على إغراق الفضاء الرقمي بتساؤلات متكررة وتشكيك مستمر، بما يخلق حالة من الضبابية تجعل المتابع عاجزًا عن التمييز بين الصحيح والزائف.

كما أن الاستفزاز المتعمد يُستخدم أحيانًا كأداة لجرّ المستخدمين إلى معارك جانبية تستهلك طاقتهم وتشتت تركيزهم عن القضايا الأساسية.

التفكير النقدي خط الدفاع الأول

في مواجهة هذا الواقع، يشدد رشاد على أن الحل لا يكمن في الارتياب الدائم من كل محتوى، بل في تنمية التفكير النقدي وطرح أسئلة جوهرية: من المستفيد من هذه الرسالة؟ لماذا تُطرح الآن؟ هل هناك نمط متكرر في اللغة والتعليقات؟

وأكد أن الخطورة لا تقتصر على نشر الأكاذيب، بل تمتد إلى تشويه الوعي، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي تتعرض يوميًا لكم هائل من المعلومات المتضاربة. ومع الإرهاق الذهني، قد يميل العقل إلى تبني أبسط تفسير وأعلى صوت، وهو ما تراهن عليه هذه المنظومات.

الوعي في زمن الفوضى الرقمية

واختتم أستاذ علم الاجتماع بالتأكيد على أن الوعي الفردي والجمعي هو خط الدفاع الأول في زمن الضوضاء الرقمية. فتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة والمدرسة، ومتابعة ما يتعرض له الأبناء من محتوى إلكتروني، يمثلان ضرورة ملحة لحماية تماسك المجتمع.

ففي معركة لا تُخاض بالأسلحة التقليدية، بل بالكلمة والصورة والمنشور السريع، يصبح الوعي هو السلاح الأهم، وصمام الأمان أمام محاولات التلاعب بالعقول وصناعة واقع افتراضي قد يبدو حقيقيًا… لكنه في جوهره مُصطنع.