لم تكن فكرة الجيش العربي الموحد مجرد وليد لحظة عابرة، بل مساراً شائكاً بدأ باقتراح مصري جريء في قمة شرم الشيخ عام 2015، حينها طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي رؤية لتشكيل قوة عسكرية مشتركة لمواجهة تمدد تنظيم داعش، وإخماد نيران الحروب في اليمن وليبيا وسوريا، ورغم الموافقة المبدئية وتوزيع الأدوار المقترح بين الدعم المالي السعودي والثقل البشري المصري، إلا أن المشروع ظل حبيس الأوراق نتيجة تضارب الأولويات العربية ما بين مكافحة الإرهاب، أو لجم التمدد الإيراني، أو إدارة التوتر مع إسرائيل.
وبعد عقد من الجمود عادت هذه الطموحات لتتصدر المشهد في سبتمبر 2025 خلال قمة الدوحة، ولكن بزخم أكبر وتحديات أعقد. ففي أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قطر، جدد الرئيس السيسي دعوته لتأسيس قوة دفاع عربية موحدة تحاكي نموذج حلف الناتو، تشمل ربط منظومات الرادار وتسيير دوريات جوية مشتركة، مع عرض قيادة سعودية وتواجد بري مصري مكثف، ومع ذلك واجه هذا الناتو العربي المتجدد اصطداماً بواقع سياسي مختلف، حيث أبدت قطر والإمارات تحفظاً صريحاً تجاه التوسع الإقليمي للقوة، مفضلتين الارتكاز على مظلة مجلس التعاون الخليجي، مما يضع مستقبل العمل العسكري العربي المشترك أمام تساؤلات وجودية حول القدرة على تجاوز الانقسامات البينية لصياغة أمن قومي موحد.
وبالفعل لم تكن التحذيرات المصرية في قمة الدوحة 2025 مجرد استشراف سياسي، بل كانت قراءة دقيقة لسيناريو الانفجار الذي نشهده اليوم في مارس 2026، فبينما انقسم القادة العرب قبل أشهر قليلة حول جدوى بناء نظام دفاعي موحد يربط الرادارات ويؤمن الأجواء، جاءت صواريخ طهران الباليستية لترسم الخارطة العسكرية بالدم والنار.
إن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد الظفرة وعلي السالم والأسطول الخامس، كشفت بوضوح عن الثغرة الاستراتيجية التي تركها رفض توسيع التعاون العسكري الإقليمي، حيث وجدت دول الخليج نفسها اليوم عالقة في كماشة التصعيد الأمريكي-الإيراني، تدفع ثمن استضافة القواعد الدولية دون أن تمتلك مظلة عربية ذاتية تحمي سيادتها، ولقد أثبتت أحداث 28 فبراير (ملحمة الغضب) وما تلاها من ردود انتقامية، أن الاعتماد المنفرد على مجلس التعاون الخليجي أو المظلة الأمريكية لم يمنع تحول العواصم العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
اليوم وبينما تهتز الأرض تحت أقدام القواعد العسكرية من المنامة إلى عمان، يظهر مشروع الجيش العربي الموحد ليس كخيار سياسي للمناورة، بل كضرورة وجودية فات أوان تأسيسها في وقت السلم، ليُدفع ثمن غيابها الآن في ذروة الحرب.
وبطبيعة الحال فما ترفضه الجغرافيا اليوم هو ما رفضته السياسة في قمة الدوحة 2025، فغياب القيادة العسكرية الموحدة والتردد في بناء مظلة دفاعية (عربية-عربية)، منح طهران فرصة ذهبية لتحويل دول الجوار إلى رهائن استراتيجية في صراعها مع واشنطن وتل أبيب، ومع احتمال غياب السيطرة المركزية في إيران عقب اغتيال المرشد، يبدو أن المنطقة تتجه نحو فوضى الميليشيات غير المنضبطة، وهو الكابوس الذي حاول مقترح الجيش الموحد، وأده في مهده قبل عقد من الزمان.
حيث تتساقط الشظايا فوق مطارات دبي والمنامة ومسقط، لم يعد مجرد رد فعل إيراني عابر، بل هو إعلان صريح عن انهيار منظومة الردع العربي التي جرى التحذير منها منذ عام 2015، إن استهداف أيقونات اقتصادية كبرج خليفة أو تعطيل 12% من التجارة العالمية عبر البحر الأحمر، يضع المنطقة أمام سيناريو الحرب الشاملة التي لن يتوقف لهيبها عند حدود الخليج.
إن الدرس القاسي الذي تقدمه أحداث 2026 هو أن الثمن الذي دُفع لرفض الناتو العربي على طاولة المفاوضات، يتضاعف الأن آلاف المرات في ساحات المعارك.
فهل ستدفع هذه الدماء نحو تحالف اضطراري أخير، أم أن القطار قد غادر المحطة تاركاً المنطقة لمصيرها كساحة صراع دولي بالوكالة؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض