بعد تعرض عدة دول عربية للعدوان:
متى تفعّل اتفاقية الدفاع العربى المشترك؟
فى لحظةٍ تتسارع فيها التحولات الإقليمية وتتعقد فيها حسابات الأمن والاستقرار، خاصة فى ظل الحرب «الإسرائيلية الأمريكية- الإيرانية»، عادت إلى الواجهة دعوة مصر سابقًا لتفعيل اتفاقية الدفاع العربى المشترك، باعتبارها مظلة قانونية يمكن أن تشكّل إطارًا موحدًا لحماية الأمن القومى العربى، وبين قراءةٍ مصرية مبكرة للمشهد، وتحفّظاتٍ إقليمية حالت دون التوافق، تتكشف تفاصيل رؤية تقول القاهرة إنها لم تكن طارئة، بل تأسست على تقدير استراتيجى طويل المدى
ويرجع تاريخ إقرار اتفاقية الدفاع العربى المشترك إلى 13 أبريل عام 1950 حينما وقعت سبع دول عربية، هى مصر والأردن وسورية والعراق والسعودية ولبنان واليمن على «معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي». وتضمنت المعاهدة 13 بندًا، من بينها تأكيد أن أى عدوان على أى دولة موقعة يُعتبر عدوانًا على بقية الدول، وأى مساس بدولة عضو فى المعاهدة يُعتبر مساسًا صريحًا ببقية الدول الموقعة عليها
ونص البند الثانى من المعاهدة على أن الدول المتعاقدة تعتبر كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها أو على قواتها، اعتداء عليها جميعاً، ولذلك فإنها عملاً بحق الدفاع الشرعى (الفردى والجماعي) عن كيانها تلتزم بأن تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المعتدى عليها، وبأن تتخذ على الفور منفردة ومجتمعة جميع التدابير وتستخدم جميع ما لديها من وسائل بما فى ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما».

واستنادًا للمعاهدة تم تأسيس منظمتن رئيسيتين للجامعة العربية، هما: مجلس الدفاع المشترك، والمجلس الاقتصادى. ونص الملحق العسكرى للاتفاقية على تشكيل هيئة استشارية عسكرية من رؤساء أركان حرب جيوش الدول المتعاقدة للإشراف على اللجنة العسكرية الدائمة المنصوص عليها فى المادة الخامسة من المعاهدة، وتختص هذه اللجنة بإعداد الخطط العسكرية لمواجهة جميع الأخطار المتوقعة أو أى اعتداء مسلح يمكن أن يقع على دولة أو أكثر من الدول المتعاقدة أو على قواتها، وتستند فى إعداد هذه الخطط إلى الأسس التى يقررها مجلس الدفاع المشترك.
وفى عام 2015، وافق مجلس الجامعة العربية على مستوى القمة على إنشاء قوة عربية مشتركة لصيانة الأمن القومى العربى التزاماً بميثاق الجامعة العربية، والوثائق العربية ذات الصلة، بما فيها معاهدة الدفاع العربى المشترك والتعاون الاقتصادى بين دول الجامعة، ومع تعرض العديد من الدول العربية للعدوان مع بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية والإيرانية، تعالت الأصوات متسائلة عن الاتفاقية وكيفية تفعيلها.

ومن هذا المنطلق أكد السفير الدكتور أحمد رفعت، مندوب مصر الأسبق لدى اليونسكو، أن الدعوة إلى تفعيل اتفاقية الدفاع العربى المشترك لم تكن خطوة انفعالية أو مرتبطة بظرف طارئ، بل جاءت بحسب تعبيره بعد قراءة مصرية مبكرة ودقيقة لمجمل التحديات الإقليمية المتصاعدة، مشيرا إلى أنّ القاهرة أدركت منذ فترة أن المنطقة مقبلة على تحولات خطيرة تستدعى موقفًا عربيًا موحدًا يستند إلى الأطر القانونية القائمة، وفى مقدمتها الاتفاقية المنبثقة عن جامعة الدول العربية.
وأشار «رفعت» إلى أن مصر طرحت خلال القمة الأخيرة فى قطر ضرورة الانتقال من مرحلة البيانات السياسية إلى تفعيل آليات الدفاع المشترك بشكل عملى، لمواجهة أى مخاطر تهدد الأمن القومى العربى، موضحا أن القاهرة أجرت اتصالات مكثفة مع عدد من رؤساء وملوك دول الخليج لحشد الدعم للفكرة، انطلاقًا من إيمانها بأن أمن المنطقة كلٌ لا يتجزأ، وأن التحديات الحالية لا تستثنى دولة دون أخرى.
وأوضح أن الاستجابة لم تكن على مستوى التوقعات، حيث أبدت بعض الدول تحفظات أو فضّلت التريث، بينما تهربت أطراف أخرى من الانضمام إلى مسار التفعيل، لأسباب وصفها بأنها “حسابات ضيقة لا تراعى المشهد الاستراتيجى الأشمل”، واعتبر أن ما تشهده المنطقة اليوم يعكس نتائج هذا التردد، مؤكدًا أن غياب موقف دفاعى عربى موحد يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات والاختلالات فى موازين القوى.
وشدد «رفعت» على أن مصر لا تسعى إلى التصعيد، بل إلى بناء منظومة ردع جماعى تحمى مقدرات الشعوب العربية وتصون استقرارها، مؤكدا أن الوقت ما زال متاحًا لإعادة النظر فى المواقف، وأن تفعيل الاتفاقية يمثل خطوة ضرورية نحو استعادة زمام المبادرة عربيًا، بدل الاكتفاء بردود الأفعال.
وأشار مندوب مصر الأسبق لدى اليونسكو، إلى أن طرح القاهرة لفكرة تفعيل اتفاقية الدفاع العربى المشترك لم يكن تحركًا رمزيًا، بل استند إلى ما وصفه بقدرة مصر الشاملة عسكريًا واقتصاديًا، والتى تمنحها ثقلًا حقيقيًا فى معادلات الإقليم، مشيرا إلى أن القوات المسلحة المصرية تُعد من بين الأكبر والأكثر تنظيمًا فى المنطقة، بما تملكه من خبرات ممتدة وتحديث مستمر فى التسليح والبنية القتالية، ما يجعلها ركيزة أساسية فى أى تصور لأمن عربى مشترك.
دعوة مبكرة
من جانبه، قال اللواء محمود منصور، مؤسس جهاز المخابرات القطرية، إن الدعوة إلى تفعيل اتفاقية الدفاع العربى المشترك لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات سابقة، مشيرًا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسى طرح هذه الرؤية مبكرًا منذ عام 2015 فى منشور له عبر حسابه على «فيسبوك» وقبل المشاركة فى القمة القطرية.
وأوضح «منصور»، أن القاهرة دعت آنذاك إلى بناء منظومة عربية موحدة لمواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة، إلا أن الطرح لم يحظَ بالدعم الكافى فى ذلك الوقت، وهناك بعض دول الخليج لم تكن تتوقع أن القراءة المصرية للمشهد الاستراتيجى ستتضح أهميتها بهذا الشكل مع تعقّد الأوضاع لاحقًا.
وأشار إلى أن مصر، بحكم ثقلها العسكرى والسياسى، سعت منذ سنوات إلى الانتقال من مرحلة التنسيق السياسى إلى إطار دفاعى عملى، يستند إلى الاتفاقيات القائمة تحت مظلة جامعة الدول العربية، واعتبر أن التطورات التى شهدتها المنطقة خلال الأعوام الماضية أظهرت أن غياب تفعيل آليات الدفاع المشترك أضعف القدرة العربية على التعامل الجماعى مع المخاطر.
وأكد «منصور»، أنّ الرؤية المصرية كانت قائمة على استباق التحديات لا انتظار تفاقمها، وأن الدعوة التى طُرحت فى 2015 تعكس نهجًا استراتيجيًا طويل المدى، لا رد فعل مؤقت، مشددا على أن المرحلة الراهنة قد تفرض إعادة تقييم للمواقف السابقة، والعودة إلى فكرة بناء موقف دفاعى عربى موحد يستند إلى قراءة واقعية لموازين القوى والتحولات الإقليمية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض