مسألة: في الإغماء هل يبطل الصوم ؟
ذهب جماهير الفقهاء من المذاهب الأربعة و غيرهم إلى أن من أغمي عليه ،في شهر رمضان ،فإن عليه القضاء ،بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك
قال ابن جرير الطبري – رحمه الله – في “تفسيره”(2/ 154 – آية:185 من سورة البقرة(:
وقد أجمع الجميع على أن من فقد عقله جميع شهر الصوم بإغماء أو بِرْسام، ثم أفاق بعد انقضاء الشهر، أن عليه قضاء الشهر كله، ولم يخالف ذلك أحد يجوز الاعتراض به على الأمة، وإذا كان إجماعاً، فالواجب أن يكون سبيل كل من كان زائل العقل جميع شهر الصوم، سبيل المغمى عليه.اهـ
قال علاء الدين الكاساني الحنفي – رحمه الله – في كتابه “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع”(2/ 88):
والذي دعا الأولين إلى القول بالوجوب في حق هؤلاء: ما انعقد الإجماع عليه من وجوب القضاء على المغمى عليه.اهـ
قال ابن رشد الحفيد المالكي – رحمه الله – في كتابه “بداية المجتهد”(2/ 172):
وأما حكم المسافر إذا أفطر، فهو القضاء باتفاق، وكذلك المريض لقوله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }، ما عدا المريض بإغماء أو جنون فإنهم اختلفوا في وجوب القضاء عليه، وفقهاء الامصار على وجوبه على المغمى عليه.اهـ
قال موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “المغني”(4/ 344):
(إذا ثبت هذا فزوال العقل يحصل بثلاثة أشياء:
أحدهما: الإغماء، وقد ذكرناه، ومتى فسد الصوم به فعلى المغمى عليه القضاء بغير خلاف علمناه، لأن مدته لا تتطاول غالباً، ولا تثبت الولاية على صاحبه فلم يزل التكليف به، وقضاء العبادات، كالنوم).اهـ
قال بدر الدين العيني الحنفي – رحمه الله- في كتابه “البناية شرح الهداية”(4/ 95) معلقاً على ما جاء في المتن “ومن أغمي عليه في رمضان كله قضاه”:
«أي قضى كل رمضان، هذا بالإجماع، إلا ما رُوي عن الحسن البصري وابن سريج من أصحاب الشافعي فيما إذا استوعب لا قضاء عليه كما في المجنون».اهـ
ومن حجة هذا القول أيضاً مع الإجماع المذكور:
قول الله – عز وجل – في آية وجوب الصيام من سورة البقرة:
} فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر{
وقالوا:
الإغماء مرض من الأمراض، فيجب في حق المصاب به القضاء كباقي الأمراض.
وقال أبو بكر الجصاص الحنفي – رحمه الله – في كتابه “أحكام القرآن”(1/ 229- 230) :
فإن قيل: لا يصح خطاب المغمى عليه كما لا يصح خطاب المجنون، والتكليف زائل عنهما جميعاً، فوجب أن لا يلزمه القضاء بالإغماء.
قيل له: الإغماء وإن منع الخطاب بالصوم في حال وجوده، فإن له أصلا آخر في إيجاب القضاء وهو قوله "وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"
و قد قاس الجمهور المغمى عليه على المريض ،و أما ابن حزم من الظاهرية فقد قال إنه ليس ها هنا قياس أصلا ،فإن الإغماء مرض ،لأن المرض:نقيض الصحة، وهو السقم، وذلك بخروج البدن عن حد الاعتدال والاعتياد،و هذا ينطبق على الإغماء بلا شك.
قال ابن حزم الظاهري – رحمه الله – في كتابه “المحلى”(4/ 365 – مسألة رقم:754) :
ووجدنا المصروع والمغمى عليه مريضين بلا شك، لأن المرض هي حال مخرجة للمرء عن حال الاعتدال، وصحة الجوارح والقوة إلى الاضطراب وضعف الجوارح واعتلالها، وهذه صفة المصروع والمغمى عليه بلا شك، ويبقى وهن ذلك وضعفه عليهما بعد الافاقة مدة، فإذ هما مريضان، فالقضاء عليهما بنص القرآن.اهـ
المسألة الثانية / عن من نوى الصيام من الليل فأغمي عليه قبل طلوع الفجر فلم يفق حتى غربت الشمس.
لأهل العلم – رحمهم الله تعالى – في هذه المسألة قولان:
1-القول الأول: أن صومه لا يصح.
وإليه ذهب أكثر العلماء – رحمهم الله تعالى -.
قال صاحب “الشرح الممتع على زاد المستقنع”(6/ 352-353) :
فإذا أغمي عليه بحادث أو مرض ـ بعد أن تسحر ـ جميع النهار، فلا يصح صومه، لأنه ليس بعاقل، ولكن يلزمه القضاء، لأنه مكلف، وهذا قول جمهور العلماء.اهـ
ووجه هذا القول:
ما ذكره موفق الدين ابن قدامة المقدسي – رحمه الله – في كتابه “المغني”(4/ 343-344) حيث قال:
ولنا: أن الصوم هو: الإمساك مع النية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي (( متفق عليه.
فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه.
ولأن النية أحد ركني الصوم فلا تجزئ وحدها، كالإمساك وحده.
أما النوم فإنه عادة، ولا يزيل الإحساس بالكلية، ومتى نبه انتبه، والإغماء عارض يزيل العقل فأشبه الجنون.اهـ
2-القول الثاني: أن صومه صحيح.
وهو قول أبي حنيفة وإسماعيل المزني من أصحاب الشافعي.
وذلك قياساً على النائم حيث لم يمنع زوال استشعاره من صحة صومه.
وقال عبد الرحمن بن قاسم النجدي – رحمه الله – في “حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع”(3/381) عقب ما جاء في المتن [ (لا إن نام جميع النهار) فلا يمنع صحة صومه ]:
وهو إجماع قبل الإصطخري من الشافعية، وإن استيقظ لحظة منه صح إجماعًا.اهـ
وقال أبو عبد الله بن مفلح الحنبلي – رحمه الله – في كتابه “الفروع”(3/ 26) :
وإن نام جميع النهار صح صومه و خلافاً للإصطخري الشافعي، لأنه إجماع قبله، ولأنه معتاد إذا نُبه انتبه، فهو كذاهل وساه.اهـ
وقال النووي الشافعي – رحمه الله – في كتابه “المجموع شرح المهذب”(6/ 384):
وأجمعوا على أنه لو استيقظ لحظة من النهار ونام باقيه صح صومه.اهـ
وقال أيضاً (6/ 384):
لو نوى من الليل ولم ينم النهار ولكن كان غافلاً عن الصوم في جميعه صح صومه بالإجماع، لأن في تكليف ذكره حرجاً.اهـ
وأجيب عن قياسهم هذا:
بأن النائم يفارق المغمى عليه، إذ النائم يرجع إلى استشعاره وعقله وإدراكه بالتنبيه والإيقاظ، أما المغمى عليه فلا يرجع إذا فعل به ذلك
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض