مسألة:هل يبطل الصوم بالتدخين ؟
ذهب جماهير الفقهاء المعاصرين إلى أن التدخين بأنواعه المختلفة مبطل للصوم.
نصوص الفقهاء الواردة في هذه المسألة
قد نص فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية على أن جِرم دخان السجائر ونحوها مما يفسد به الصوم قطعًا، قال العلامة ابن عابدين في حاشيته "رد المحتار" (2/ 395) في باب: ما يفسد الصوم وما لا يفسده: [(قوله: أنه لو أدخل حلقه الدخان) أي بأي صورة كان الإدخال... وبه علم حكم شرب الدخان، ونظمه الشرنبلالي في "شرحه على الوهبانية" بقوله:
ويمنع من بيع الدخان وشربه ... وشاربه في الصوم لا شك يفطر
ويلزمه التكفير لو ظن نافعًا ... كذا دافعًا شهوات بطن فقرروا] اهـ.
ونصَّ عليه أيضًا (6/ 459) في كتاب: الأشربة بقوله: [وفي "شرح الوهبانية" للشرنبلالي: ويمنع من بيع الدخان، وشربه، وشاربه في الصوم لا شك يفطر] اهـ.
وقال العلامة العدوي المالكي في "حاشيته على شرح الخرشي لمختصر خليل" (2/ 250، ط. دار الفكر): [الدخان الذي يشرب مفطر إذ هو متكيف ويصل إلى الحلق، بل إلى الجوف أحيانًا ويقصد عب] اهـ.
وقال الإمام الشرواني الشافعي في "حاشيته على تحفة المحتاج" (3/ 400، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [(قوله: أي عين كانت... إلخ) ومن العين: الدخان المشهور وهو المسمى بالتتن، ومثله التنباك فيفطر به الصائم؛ لأن له أثرًا يحس كما يشاهد في باطن العود. شيخنا عبارة الكردي على بافضل، وفي "التحفة"، و"فتح الجواد": عدم ضرر الدخان، وقال سم: في شرح أبي شجاع: فيه نظر؛ لأنَّ الدخان عين اهـ، وعبارة بعض الهوامش المعتبرة: ويفطر الصائم بشرب التنباك؛ لأنه بفعل فاعل يتولد منه لا أثر، وقد صرح بذلك الشيخ علي بن الجمال المكي وغيره كالبرماوي على الغزي والشيخ العلامة عبد الله بن سعيد باقشير وغيرهم] اهـ.
وسبب اختلافهم في هذه هو: قياس المغذي على غير المغذي، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي. فمن رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول لم يلحق المغذي بغير المغذي، ومن رأى أنها عبادة غير معقولة، وأن المقصود منها إنما هو الإمساك فقط عما يرد الجوف سوَّى بين المغذي وغير المغذي.
وتحصيل مذهب مالك أنه يجب الإمساك عما يصل إلى الحلق من أي المنافذ وصل، مغذيًا كان أو غير مغذ] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 121، ط. مكتبة القاهرة): [... أنه يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه، أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه، ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته، إذا وصل باختياره، وكان مما يمكن التحرز منه، سواء وصل من الفم على العادة، أو غير العادة كالوجور واللدود، أو من الأنف كالسعوط، أو ما يدخل من الأذن إلى الدماغ، أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل، أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة، أو ما يصل من مداواة الجائفة إلى جوفه، أو من دواء المأمومة إلى دماغه، فهذا كله يفطره؛ لأنه واصل إلى جوفه باختياره، فأشبه الأكل] اهـ.
و أغرب بعض المتأخرين من المعاصرين فقالوا:إن التدخين لا يبطل الصوم ،و على رأس هؤلاء "جمال البنا"،و "أحمد صبحي منصور".
فقد قال أحمد صبحي منصور:«ليس الدخان من الطعام والشراب ، فمجرى الطعام و الشراب هو الجهاز الهضمى ( الفم ـ البلعوم ـ المرىء ـ المعدة ـ الأمعاء الدقيقة ، فالغليظة ـ فالشرج ) أما التدخين فمجاله الجهاز التنفسى ، من القصبة الهوائية الى الرئتين شهيقا وزفيرا، وبالتالى فالتدخين لا يفطر الصوم فى رمضان أو غير رمضان .
وأيضا فليس التدخين محرما لأن التحريم لا يكون إلا بنصّ قرآنى صريح .
ومثلا فإن المحرمات فى الطعام محصورة ومحددة و غيرها موصوف بالطيبات ، ويحرم تحريم شيء من تلك الطيبات ، نفهم هذا من قوله تعالى :
-(فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) (النحل 114 : 116 ) وتكرر هذا فى آيات قرآنية مثل ( البقرة 172 ـ ) .
وذهب إلى ذلك السيد محمد حسين فضل الله فقال في مسألة 981 :
«لا يفطر الصائم بارتكاب الأمور “إلى ان قال” ثالثاً: تعمد إخال الغبار الغليظ وغير الغليظ… كذلك لا يفطر الصائم بالبخار ولا بالدخان من أي مصدر كان…»
عرض الأدلة:
أدلة القائلين بمفطرية التدخين
استدل من ذهب إلى المفطرية بعدة أدلة لا تخلو من نقاش:
الدليل الأول: (الاستدلال بصدق الأكل والشرب).
هذا الدليل استدل به جماعة من الفقهاء منهم، صاحب المستند فقد قال: “الأحوط الاجتناب عن شرب التتن؛ لاستمرار طريقة الناس عليه وإطلاق الشرب عند العرب عليه”.
ويرد عليه: عدم صدق الأكل والشرب لا عرفاً ولا لغة على استنشاق الدخان وما تعارف عليه الناس من قولهم: “شرب التتن” إنما هو من باب المسامحة بالتعبير.
لذا عبر الشيخ الأنصاري “… إلا أن الأكل لا يصدق على الأول قطعاً، لأن الدخان ليس مأكولاً ولا مشروباً…
-الدليل الثاني: لأن الدخان يحتوي على بعض المواد الكيماوية ،لها تأثير في الجوف
قال الدكتور نوح علي سلمان:
«لذا يُعد شرب الدخان المعروف من المفطرات؛ لأن الشهوة فيه ظاهرة؛ ولأن له جرم مرئي وملموس يدخل إلى الجوف عمدًا وإن كانت ذرّاته صغيرة، فالسيجارة الواحدة مثلًا تحتوي على (3) مليجرام من النيكوتين، و(36) مليجرام من القطران أو القار، و(20) مليجرام من أول أكسيد الكربون، إضافة إلى مواد أخرى كثيرة.
"فتاوى الشيخ نوح علي سلمان" (فتاوى الصوم/ فتوى رقم/25).
و أما القائلون بعدم بطلان الصوم بالتدخين فقد استدلوا لقولهم بأن قالوا:
1-أن التدخين ليس مأكولا و لا مشروبا،و إنما يفطر الصائم بالأكل أو الشرب أو الجماع.
2-أن التدخين كالبخور ليس مغذيين
قال جمال البنا:«إذا كان التدخين والبخور ليس مغذيين فهما ليسا مفطرين للصائم، فمثلا استثنى الفقهاء الحقنة التي تغذي الانسان من المفطرات حتى لو كانت في العضل، فاذا كان القياس على ذلك بالنسبة للتدخين، فمن باب أولى أن هذه الحقنة مفطرة، مشيرا إلى أن المفطرات الواردة هي الطعام والشراب والمخالطة الجنسية، وأي شئ غير ذلك يدخل في باب الاجتهاد القابل للخطأ والصواب ».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض