كل عام ومصر والمصريون طيبون وبخير، رمضان يعلمنا الاقتصاد فى كل شىء، فى الطعام، فى الكلام، وفى الضجيج. فكيف نقبل أن يتحول فضاء تاريخى إلى ساحة صراع بين مكبرات الصوت ومنصة للعشوائية والتدنى الثقافى. فى زيارتى لمنطقة القاهرة التاريخية، على وجه التحديد شارع المعز، وقبل رمضان بأسبوعين، تأذيت كثيراً من هذا التلوث البيئى والسمعى الذى يطغى على كل شىء. اعتداءً سمعياً متواصلاً على الأعصاب وعلى روحانية المكان. فإذا كان هذا هو الحال قبل الموسم، فكيف سيكون المشهد مع تضاعف الزحام فى شهر رمضان؟
المنطقة هى أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية فى العالم، لكن تحولها إلى ساحة «لأغانى المهرجانات» الهابطة يمثل تحدياً حقيقياً لمفهوم السياحة الثقافية. فالتنافر البصرى والسمعى أصبح يشكل «فجوة زمنية» مزعجة تصم أذان الزائرين، عندما يقف الزائر أمام بوابة «باب الفتوح» أو «مجموعة قلاوون» العريقة، بينما تصدح موسيقى المهرجانات من كل حدب وصوب صاخبة بكلمات هابطة. هذا يدمر «تجربة الزائر» مصرياً كان أم عربياً أم أجنبياً، وهى التجربة التى كان من المفترض أن تهدف لاستحضار جانب من التاريخ والهوية المصرية.
لست ضد لون غنائى، ولا أمارس وصاية فنية، فالفن أذواق، والناس أحرار فيما يسمعون. لكن الحرية – حين تتحول إلى فوضى – تصبح اعتداءً. الصوت – حين يتجاوز الحد – يتحول إلى تلوث. والتلوث السمعى فى منطقة المعز واقع وحقيقة يومية، وتشويه لتجربة ثقافية وطمس للهوية المصرية الإسلامية، فالقاهرة الفاطمية تمتاز بالروحانيات، التواشيح، وصوت الأذان، والحرف اليدوية. واستبدال هذا «التراث السمعى» بالمهرجانات الهابطة يمحو الشخصية الفريدة للمكان ويجعله شبيهاً بأى منطقة عشوائية أخرى.
العالم يحمى مناطقه التاريخية بقوانين صارمة. فى مدن أوروبا، قد تغرم لأنك رفعت صوت آلة موسيقية فى ميدان أثرى. لا لأنهم ضد الموسيقى، بل لأنهم مع حق الزائر فى أن يستمتع بزيارته لا أن يسحق سمعياً.
حماية الأثر لا تكون فقط بترميم الحجر، بل بحماية المناخ المحيط به. الهدوء جزء من التراث. والسكينة عنصر من عناصر التجربة. حين تضيع السكينة، يبهت الأثر.
إذا كان الرهان على «الوعى الجمعى التلقائى» فى ظل ثقافة الاستهلاك الحالية وانتشار العشوائية السمعية هو رهان خاسر، أو على الأقل سيستغرق أجيالاً لن نملك رفاهية انتظارها بينما تضيع هوية القاهرة التاريخية. ومن أجل الحفاظ على ما تم إنجازه فى «القاهرة التاريخية»، لا بد من تدخل حازم يعمل على تحديد هوية سمعية فلا بديل عن فرض «الذوق العام» بقوة القانون عبر إقرار «كود سمعى وبصرى» يطبق من قبل كل من هو معنى بالأمر، محافظة القاهرة، وزارات: الثقافة، السياحة والآثار، عبر إلزام المحال والمطاعم بتشغيل موسيقى تتناسب مع طبيعة المكان (تراث أصيل، موشحات، موسيقى شرقية هادئة). وكذلك تفعيل شرطة السياحة والآثار لفرض غرامات فورية على استخدام «مكبرات الصوت» (الدى جى) فى الشارع المفتوح؛ فالمواطن (أو صاحب النشاط التجارى) الذى اعتاد «الهرجلة» لن يتوقف بمجرد نصيحة بجماليات العصر الفاطمى. هو سيتوقف عندما يجد أن «سماعة المهرجانات» ستؤدى إلى إغلاق محله أو دفع غرامة باهظة فورية. الضبط القضائى هنا ليس عقاباً بقدر ما هو «ترسيم حدود» للمساحة العامة. وبالتوازى مع ذلك العمل على توفير بدائل فنية ثقافية تعبر عن الهوية والتراث المصرى الأصيل بدلاً من العشوائية، يمكن لوزارة الثقافة تنظيم نقاط «عزف حى» (قانون، عود، ناى) فى زوايا معينة، لتوجيه الذوق العام وربط الزائر بروح العصر الفاطمى والمملوكى.