مع حلول شهر رمضان ، تمتلئ الأسواق والمحلات بالمواطنين لشراء السلع والياميش ، وتتجه الأنظار الى موائد الإفطار والطقوس المعتادة ، لكن الحقيقة الأعمق أن رمضان لا يُستقبل بالأطعمة والمشروبات ، بل بالقلوب النقية المسامحة . فالشهر الكريم ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب ، بل هو امتحان للأخلاق ، وفرصة حقيقية لمراجعة النفس ، ونبذ الخلافات ، والتسابق إلى أبواب الخير..رمضان في جوهره دعوة صريحة للتسامح ، فلا معنى لصائمٍ يقضى نهاره جوعًا ، بينما قلبه ممتلئ بالضغينة ، ولا قيمة لقيام الليل إذا كان صاحبه يخاصم أخاه أو يقطع رحمه ، فالتسامح ليس زينة أخلاقية في رمضان ، بل شرط روحي لتذوق معناه الحقيقي..كم من خصوماتٍ تافهة امتدت لسنوات ، وكم من علاقاتٍ انكسرت بسبب كلمة عابرة أو موقفٍ عابر . ورمضان يأتي كل عام ليمنحنا فرصة نادرة لإصلاح ما أفسدته الأيام . اتصال هاتفي ، رسالة اعتذار ، زيارة صادقة… قد تكون كفيلة بإغلاق ملفات قديمة وفتح صفحة جديدة عنوانها الصفح والمودة..إن الصلح في رمضان ليس مجرد تصرف شخصي ، بل مسؤولية اجتماعية. فالمجتمع الذي تدخل إليه أيام الصيام وهو مثقل بالخصومات ، لن يتذوق روح الشهر ، أما حين تتصالح القلوب ، وتتقارب النفوس ، يتحول رمضان إلى موسمٍ حقيقي للرحمة ، يشعر فيه الغني بحاجة الفقير ، ويشعر القوي بمسؤولية الضعيف.
وليس التسامح وحده هو عنوان الشهر ، بل الإسراع إلى الخيرات.. رمضان هو موسم الطاعات ، وساحة التنافس في أعمال الخير وصلة الأرحام . من يطعم صائما ، أو يساعد محتاجا ، أو يُدخل السرور على قلب حزين ، يشعر بالطعم الحقيقي لهذا الشهر.. فالكلمة الطيبة صدقة ، والابتسامة عبادة ، ومد يد العون طريق إلى رضا الله.. أخطر ما يواجه رمضان ، أن يتحول إلى عادة سنوية بلا أثر ، صيام بالنهار ، وسهرات بالليل ، ثم يخرج الإنسان من الشهر كما دخله ، بلا تغيير في سلوكه أو علاقاته أو أخلاقه. وهذا هو الخسران الحقيقي ، أن يمر رمضان دون أن يترك فينا أثرًا..رمضان فرصة لا تُعوّض ، وربما لا تتكرر. فمن بيننا من كان حاضرًا في رمضان الماضي ، وغاب قبل أن يطلّ هلاله هذا العام.. لذلك فإن أعظم استقبال للشهر الكريم ، ليس في شراء المستلزمات ، بل في تصفية القلوب ، ومدّ جسور الصلح، والإسراع إلى كل عملٍ صالح..فلنجعل رمضان هذا العام شهر الصلح قبل الصوم ، وشهر الرحمة قبل المائدة ، وشهر الخيرات قبل العادات…هو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار…شهر تتنزل فيه السكينة على القلوب، وتُفتح فيه أبواب السماء، وتُغلق فيه أبواب الشيطان، فيجد العبد فرصة حقيقية ليعود إلى ربه بقلبٍ صافٍ ونيةٍ صادقة..هو شهر تصفو فيه النفوس من ركام الخصام، وتلين القلوب بعد قسوتها، فيتسابق الناس إلى الخير، ويتسابقون إلى جبر الخواطر قبل كسرها، وإلى الصفح قبل العتاب..رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل امتناع عن الأذى، عن الغيبة، عن القسوة، وعن كل ما يُثقل الروح ويُبعدها عن نور الله.
فيه تُرفع الأيدي بالدعاء، وتُفتح القلوب للرجاء، وتُغسل الذنوب بدموع التوبة، فيعود الإنسان كما لو أنه وُلد من جديد..طوبى لمن أدرك رمضان بقلبٍ حي، فاغتنم أيامه، وأحيا لياليه، وخرج منه وقد غُفرت ذنوبه، وتبدلت احواله ، واقترب خطوةً صادقة نحو ربه.
رمضان فرصة لا تتكرر إلا مرة في العام، فمن ضيّعها، فقد ضيّع كنزًا لا يُعوّض.لعلنا نخرج منه بقلوبٍ أخفّ ، وأرواحٍ أنقى ، وحياةٍ أقرب إلى معنى الإيمان.