إن العمل ليس مجرد وسيلة مادية لكسب العيش، بل هو الركيزة الأساسية لكرامة الإنسان وحجر الزاوية في بناء الأوطان. ومع تزايد الأعباء المعيشية علي المواطن المصري في ظل التضخم الكبير، نطرح اليوم مصطلحاً محورياً هو "حزمة الأجور والمعاشات والمزايا العينية المكملة للأجور (مثل التعليم والصحة والنقل والسكن والتموين وإعانة البطالة ... إلخ)" باعتبار أن إجمالي تلك البنود هو المقياس الحقيقي والشامل لإجمالي الدخل الذي نقصده عند الحديث عن تحقيق العدالة الإجتماعية. إن هذه الحزمة ليست مجرد قيم مالية، بل هي الأداة الضامنة لتحقيق "حد الكفاية"؛ الذي يكفل للعامل حياة كريمة وللمتقاعد شيخوخة آمنة. إن الحزمة العادلة هي المحرك الأول للطلب المحلي، والضامن للاستقرار الاجتماعي، والوقود الذي يدفع عجلة التنمية المستدامة بعيداً عن كبوات التضخم وأزمات المعيشة المتلاحقة.
واقع الأجور والمعاشات: قراءة في جذور الأزمة
بالتأمل في ملف الأجور والمعاشات في مصر، نجد مفارقة صارخة؛ فمصر تُصنف كواحدة من أقل دول العالم في مستويات الدخول مقابل مستويات الأسعار والأعباء المعيشية المتزايدة. ورغم المحاولات والمبادرات المخلصة التي تمت خلال السنوات الماضية لرفع الحد الأدنى، إلا أن غول التضخم ظل يلتهم مايفوق ثمرات هذه الزيادات، مما يستوجب نظرة أعمق لمعالجة الخلل التاريخي عبر هيكلة شاملة لـما يمكن تسميته "حزمة الدخل" متضمن الدخل المباشر والدخل الضمني.
وعلى الرغم من أن انخفاض الأجور يُعد ميزة تنافسية في جذب الاستثمارات، إلا أن المبالغة في هذا الانخفاض يأتي بنتائج كارثية، لذا فإن أفضل النماذج العالمية هي تلك التي تتسم بمزيج من "المستويات الوسطية للأجور" مع "امتيازات عينية جيدة في خدمات التعليم والصحة والسكن والأمن الغذائي والنقل وغيرها من الخدمات الأساسية". وتأتي أفضلية هذه المعدلات الوسطية المعتدلة من حزمة الأجور والمزايا العينية بإعتبارها بمثابة موازنة بين اعتبارات المبزة التنافسية لإنخفاض الأجور وبين "التكلفة السلبية الرهيبة" والتراكمية لانخفاض الأجور والدخول، والتي تظهر آثارها التراكمية المدمرة داخل المؤسسات خاصة وعلى المستوى القومي ككل بوجه عام.
انخفاض الدخول كأداة للتخريب المتعمد
إن سياسة المبالغة في خفض الأجور والمعاشات هي، بمعيار تحليل التكلفة والعائد، سياسة تخريبية بامتياز. لقد تحول انخفاض الأجور في الجهاز الإداري للدولة على مدار الخمسين عاماً الماضية إلى واحدة من أكبر الجرائم التي ارتكبت في حق مصر. فبينما نجد أن الدول المتقدمة تمنح العاملين في جهاز الدولة أعلى الأجور لضمان استقطاب وتوظيف أفضل الكفاءات، تبنت بعض القطاعات الحكومية والخاصة في مصر مسار خفض الأجور مما أدى لانتشار سرطان الفساد والرشوة وفقدان الولاء والدافعية للعمل، واستفحال مرض "الشللية" وبالتالي سوء الإدارة في متوالية هندسية لا تنتهي. وقد أدت هذه المنظومة المشوهة إلى نتائج وخيمة أهمها :
١- تهميش الكفاءات وهروب العقول أو انسحابها سلبياً نتيجة غياب الأمان المادي في الحاضر والمستقبل.
٢- تراجع مؤشرات الأداء في القطاعات الهامة خلال العقود الخمسة الماضية وفي مقدمتها التعليم والزراعة والصحة والخدمات بالمحافظات، وهو ما تحاول الدولة تداركه حالياً عبر "التحول الرقمي" ومحاربة الفساد، ورغم هذه الجهود المخلصة فإن النتائج ستظل محدودة ما لم تُعالج الجذور المتمثلة في تشوهات نظم الأجور والمعاشات وحزمة المزايا العينية.
٣- تخريب القطاعات الحيوية: وخير مثال هو قطاع التعليم، حيث أدى الانخفاض الإجرامي للأجور إلى انتشار الدروس الخصوصية، وتحول الخدمات الأساسية إلى تجارة، وتراجع شبه كامل في الجانب التربوي والسلوكي.
ولا يساورني الشك في أن هذا الخفض الإجرامي في قطاعات كالتعليم والصحة والزراعة والأمن الغذائي كان متعمداً كجزء من خطة لتخريب مفاصل الدولة بدأت في السبعينيات والثمانينيات مواكبة للانفتاح على الكيان الصهيو.ني المخرب.
خارطة الطريق: نحو نظام عادل ومستدام
إن النموذج الأمثل الذي ننشده هو المزيج بين مستويات وسطية للأجور وحزمة مزايا اجتماعية وتكافلية متميزة (معاشات منصفة، تعليم وصحة ونقل مدعوم، وإعانة بطالة). ولتحقيق ذلك، نقترح الآتي:
أولا : مأسسة التخطيط لـ "حزمة الدخل" : لابد من تحديد إدارة دائمة ومحترفة داخل وزارة التخطيط تتولى تخطيط نظم الأجور والمعاشات والمزايا العينية بشكل علمي علي المستوي القومي، وتضع إستراتيجية زمنية (لمدة 5 سنوات مثلاً) للوصول التدريجي إلى عدالة حقيقية تحقق حد الكفاية وتوازن بين المكون النقدي والعيني.
ثانيا : تفعيل الدور الرقابي الشامل: يجب أن تضطلع أجهزة الرقابة الإدارية، والجهاز المركزي للمحاسبات، والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ومباحث الأموال العامة) بدور محوري في مراقبة سلبيات ونقائص نظم الأجور والمعاشات والمزايا العينية المكملة للأجور، ومنع التفاوت الفج داخل وبين المؤسسات، لضمان عدم تركها "سلطة تقديرية" تنتج صراعات مخربة على المزايا والعطايا.
ثالثا: أداة التدارك التدريجي (المزايا العينية): استخدام التمييز الإيجابي للفئات والمؤسسات الأقل دخلاً عبر إعفاءات في مجالات الخدمات الأساسية، لتكون بمثابة أداة عاجلة لتقريب الفوارق الهائلة في مستويات المعيشة في مصر.
وفي الختام، لا يسعنا إلا الإشادة بالتوجه الحالي للدولة المصرية واهتمامها بفتح هذا الملف الشائك خلال السنوات الماضية بعد عقود من توليفة من الإهمال التاريخي ومن الإدارة بأسلوب "المسكنات"، وكان طموح الموظف أو صاحب المعاش يقتصر على انتظار عبارة "المنحة يا ريس" في المناسبات، بأسلوب كان للأسف أقرب إلى "التسول" منه إلى السعي المؤسسي لتحقيق الحقوق. إننا اليوم بصدد الانتقال من ثقافة "المنحة" إلى ثقافة "الاستحقاق" وضمان ملائمة "حزمة الأجور والمعاشات والمزايا العينية" كحق أصيل من الحقوق الدستورية للمواطن المصري، بما يضمن استعادة كفاءة الدولة وتحقيق حياة كريمة للمواطن بطريقة كريمة تليق بمصر وشعبها.
سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة