رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى الصميم

فى زحام الحياة وركضنا اليومى الذى لا ينتهى، يأتى شهر رمضان كاستراحة إجبارية حانية، تربت على أكتافنا وتهمس فى أعماقنا بأن الوقت قد حان لنلتقط أنفاسنا. رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو حالة إنسانية مكتملة، تعيد صياغة علاقتنا بأنفسنا، بخالقنا، وبأوطاننا، وتوقظ فينا إنسانيتنا التى ربما أرهقتها تفاصيل الحياة.

رمضان هو المحطة التى تعود فيها الروح إلى بارئها، تتخفف من أثقال الطين والماديات لترتقى فى معارج النور والسكينة. الصيام ليس طقسا مجردا نؤديه بحكم العادة، بل هو مدرسة عليا للمراقبة الذاتية والخشوع. بين تلاوة آية تلامس شغاف القلب، وسجدة طويلة فى جوف الليل تذرف فيها دمعة توبة صادقة، يعيد الإنسان اكتشاف بوصلته وعلاقته بخالقه. هو شهر المغفرة الذى تفتح فيه أبواب السماء لتستقبل دعوات الملهوفين، وتتطهر فيه الصحائف لتبدأ الأرواح رحلة جديدة بيضاء نقية خالية من أثقال الماضى.

أجمل ما فى هذا الشهر الفضيل أنه يذيب الفوارق ويجعلنا نقف صفا واحدا. الجوع الإرادى الذى نعيشه نهارا هو أبلغ رسالة تذكرنا بأولئك الذين يعيشون هذا الجوع كرها لا طوعا طوال العام. التكافل هنا يتجاوز فكرة التبرع ببعض المال؛ إنه إحساس حقيقى بوجع الآخر، ومسئولية مجتمعية تحتم علينا ألا ننام وجارنا جائع. حين تمتد الأيدى لتشارك طعام الإفطار، فإنها تنسج روابط خفية تجعل المجتمع أقوى وأكثر تماسكا فى مواجهة الأزمات.

لعل من المفارقات المحزنة أن يتحول شهر الصوم والزهد أحيانا إلى موسم للاستهلاك المبالغ فيه. رمضان جاء ليعلمنا كيف نسيطر على رغباتنا، وكيف نكتفى بما يقيم صلبنا ويمنحنا الطاقة. الترشيد فى رمضان ليس بخلا، بل هو وعى عميق بقيمة النعمة واحترام لها. عندما نرشد استهلاكنا، نحن نعلن انتصار إرادتنا الحرة على عاداتنا الاستهلاكية العمياء، ونوفر موارد قد تكون طوق نجاة لعائلات أخرى هى أحوج ما تكون إليها.

لا يمكن أن تكتمل صورة التكافل والوعى فى رمضان دون أن تمتد لتشمل الوطن الأكبر. مساندة الدولة فى هذه الأيام المباركة ليست مجرد شعارات، بل ممارسة فعلية تتجلى فى الحفاظ على مقدرات الوطن وموارده. عندما نرشد استهلاكنا من الطاقة والمياه والسلع الأساسية، فنحن نقف صفا واحدا مع مؤسسات الدولة لتخفيف الأعباء الاقتصادية. وعندما نوجه زكاة أموالنا وصدقاتنا عبر القنوات الرسمية والمبادرات الوطنية الموثوقة، فإننا نضمن وصول الدعم لمستحقيه الحقيقيين، ونشارك فى بناء شبكة حماية اجتماعية قوية تسند الفئات الأكثر احتياجا، فالوطن القوى هو الذى يتكاتف أبناؤه فى السراء والضراء، ويعتبرون الحفاظ عليه جزءا لا يتجزأ من عقيدتهم وإيمانهم.

رمضان فرصة ذهبية لنعيد ترتيب أولوياتنا، لنكون أصدق مع خالقنا، وأكثر وعيا بمسئوليتنا تجاه أوطاننا، وأكثر حنوا على من حولنا. فلنجعل منه نقطة انطلاق لنسخة أفضل منا، تمتد أخلاقها لتضىء باقى شهور العام.

كل عام ومصر وشعبها ورئيسها وجيشها وشرطتها وكافة أجهزتها بخير وصحة وسعادة.