رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مفهوم الجمال والجلال في الفكر الإسلامي

بوابة الوفد الإلكترونية

يتعمق الفكر الإسلامي في مفهوم الجمال بوصفه تجليًا إلهيًا يرتبط بجوهر الوجود والكمال المطلق، حيث يتجلى في ثنائية متكاملة مع الجلال، مكونًا أساسًا للتجربة الصوفية ومقياسًا للحسن والقبح في الشريعة والأخلاق.

الجمال في الفكر الإسلامي
 

يرى الشيخ محمد عبده في رسالته "التوحيد" أن إدراك الحسن من القبح في الأشياء فيما لا يجده في القرآن والسنة فإنه يستدل عليه بالعقل؛ لأن العقل يفرق بين النافع والضار ويعد الأول خيرًا ويعد الثاني شرًا، وأن هذا هو أصل التمييز بين الفضيلة والرذيلة، ولا خلاف في ذلك بين الناس وإن اختلفت عقائدهم، فالأصل أن يهتدي الإنسان بالله بما ورد عن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وهذا يعني أن يهتدي الإنسان بالشريعة في التمييز بين الحسن والقبح.

ونظرية الجمال في الإسلام كما يراها الغزالي، تنطلق من الحديث الشريف: «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» إن محبة الشيء دليل على جماله، حيث نجد عند الفقيه والمتصوف أبي حامد الغزالي (٥٠٥هـ) كيف أنه قد جعل الجمال الظاهر من شأن الحواس، والجمال الباطن من شأن البصيرة، ويقول: "الصورة ظاهرة وباطنة، والحسن والجمال يشملهما، وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر، والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة، فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يتلذذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها.

ويلجأ الصوفية إلى تفسير الجمال بوصفه تجربة حياة ووجود، لا يحتكرها الفن فحسب، وإنما يتم محبة الجمال الإلهي من خلال اتباع الشريعة؛ لأنها أوامر المحبوب، ولذلك لا يمكن أن نصدق من يقول أنه يحب الله ويعصي أوامره وهي فطرة الله التي تؤدي إلى تزكية الإنسان، بها يكون في خير صورة، والحقيقة أن الجمال هو محور التجربة الصوفية؛ لأنهم يتحررون به من كل شيء يعكر صفاء نفوسهم، واكتشافُهم لهذا الجمال يجعلهم منجذبين إليه بشوق عظيم، وهذا الجمال الذي يعيشه الصوفي في محبة الله هو خبرة خاصة وذات طابع فردي ولا يمكن نقلها للغير، حتى أشعار الصوفية لا تنقل لنا من الجمال إلا ما تستطيع الكلمات أن تنقله، ونحن نفهمه على ضوء خبراتنا المحدودة بالصور التي تحيط بنا ومخيلتنا وتجاربنا الروحية، وإذا كان الفن في جوهره تجاوزًا لما هو قائم وفتْحَ آفاقٍ جديدة للإنسان تفك أسره بالخيال وتركيب الصور في علاقات جديدة؛ فإن الصوفي تنفتح أمامه هذه الآفاق الجميلة حين يُخرج نفسه من عبادة البشر والأشياء والسلطة والمال، فيرى العالم كما لم يره من قبل ويسترد ذاته التي استعبدتها الأشياء، هنا يقترب من الكمال من خلال اقترابه من الجمال، وتمتلئ روحه بهذا الصفاء والتسامح، ويصبح عطاؤه بلا غرض، ولكن من أجل الجمال والمحبة.

الجمال في الفكر الإسلامي

وعرض ابن عربي لسر الجمال والجلال في مواضع مختلفة من الفتوحات حيث يقول: "فأوجد الله العالم في غاية الجمال والكمال، خلقًا وإبداعًا، فإنه تعالى يحب الجمال، وما ثم جميل إلا هو، فأحب من قيده النظر ثم جعل - عز وجل، في الجمال المطلق الساري في العالم جمالًا عرضيًّا مقيدًا آحاد العالم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل" [الفتوحات].

وقال ابن عطاء الله السكندري في كتاب الحكم: "إن الجمال هو تجليه -تعالى- بوجهه لذاته لجماله المطلق جلال هو قهاريته للكل عند تجليه بوجه، وهو ظهور في الكل الجمال، مثله مثل الخيال، صفة المطلق وصفة التقييد؛ ومن الأول إلى الآخر يتحرك باتصال الوجود"، ثم استدعى الشيخ الأكبر ثانية الحديث الشريف السابق: «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» فهو تعالى صانع العالم، أوجده على صورته، فالعالم كله في غاية الجمال، ما فيه شيء من القبح؛ بل قد جمع الله له الحسن كله والجمال، فليس في الإمكان أجمل ولا أبدع ولا أحسن من العالم، ولو أوجد ما أوجد إلى ما لا يتناهى، فهو مثل لما أوجد؛ لأن الحسن الإلهي والجمال قد حازه وظهر به" [الفتوحات].