متحرش الأتوبيس الترددي
بعد واقعة فتاة الأتوبيس.. عبدالله رشدي: لا تصدقوا الناجيات دموع التماسيح وفحيح الأفاعي
في الوقت الذي تسعى فيه الدولة المصرية بمؤسساتها التشريعية والقضائية لترسيخ قيم الأمان وحماية المرأة في الفضاء العام، يطل علينا الداعية عبد الله رشدي بخطاب جديد مثير للجدل، لم يكتفِ فيه بانتظار كلمة القضاء النهائية في واقعة "متحرش الأتوبيس الترددي"، بل سارع إلى صياغة "بيان إدانة" مسبق ضد الضحية، مستخدماً لغة وصم قاسية تتنافى مع أدبيات "الستر" و"العدل" التي يدعو إليها الدين.
استباق القضاء.. إخلاء السبيل ليس براءة
بدأ رشدي تدوينته بالاتكاء على إجراء قانوني معتاد، وهو "إخلاء سبيل المتهم"، معتبراً إياه "بشارة" براءة، وهنا يسقط "رجل الدين" في فخ التضليل القانوني؛ فإخلاء السبيل بضمان مالي أو محل إقامة هو إجراء احترازي لا يعني انتهاء القضية أو ثبوت البراءة، بل هو استكمال للتحقيقات، لكن رشدي، وفي تناقض صارخ، قال: "لن نستبق النتيجة"، ثم استبقها فوراً بوصف الواقعة بأنها "رمي بلا" و"تشويه لصورة الرجل المصري".

"الأفاعي والتماسيح"
لم يتردد رشدي في استخدام أوصاف جنائية ونفسية قاسية ضد فتاة لجأت للقانون، فوصف بكاءها بـ "دموع التماسيح" وشكواها بـ "فحيح الأفاعي".
إن هذا الخطاب لا يمثل نقداً لواقعة بعينها، بل يكرس لثقافة "ترهيب الضحايا"، فبدلاً من تشجيع الفتيات على سلك المسلك القانوني، يضع رشدي "المشنقة" اللفظية لكل من تجرؤ على الشكوى، تحت لافتة "الادعاء الكاذب".
"لا تصدقوا الناجيات"
لعل أخطر ما ورد في خطاب رشدي هو قوله: "لا تصدقوا الناجيات؛ لكن ادعموا الصادقات"، وهي عبارة تبدو في ظاهرها منطقية وفي باطنها "تسميم" لوعي المجتمع؛ فكيف يمكن التمييز بين الناجية والصادقة قبل حكم القضاء؟ إن إطلاق مثل هذه الشعارات في مجتمع يعاني أصلاً من "الوصم المجتمعي" للضحايا، هو دعوة صريحة لإسكات النساء ومنح "المعتدي" المحتمل غطاءً من الشك المسبق في صدق الضحية.

نظرية "المشاركة في الجرم"
عاد رشدي مرة أخرى لربط التحرش بـ "الاحتشام"، معتبراً أن "كل مقصر ومقصرة شريك بقدر تقصيرة".،هذه المقاربة غير المتوازنة تضع الضحية في كفة مساوية للجاني، فبينما يرتكب الجاني فعلاً مجرماً بالقانون والشرع، يتم استدعاء "ملابس المرأة" لتخفيف وطأة الجرم أو تبريره ضمنياً، وهو خطاب تجاوزه الزمن وأثبتت الوقائع زيفه، حيث يطال التحرش المحجبات والمنتقبات والأطفال على حد سواء.
"أزمة صورة" أم أزمة فكر؟
يرى رشدي أن هذه الوقائع تسيء لنا أمام "السياح" والعالم، والحقيقة أن ما يسيء لمصر فعلياً ليس تطبيق القانون وملاحقة المنحرفين، بل هو وجود خطاب يحاول الالتفاف على القانون بالتشكيك في الضحايا وتوفير بيئة خصبة "للمنطق التبريري" الذي يجعل من الرجل دائماً ضحية "لمؤامرة نسائية" مزعومة.
في الختام، إن العدل يقتضي انتظار حكم القضاء، والمروءة تقتضي عدم نهش كرامة من تباكى واشتكى، والدين يقتضي الحث على غض البصر دون قيد أو شرط، أما خطاب "رمي البلا" و"فحيح الأفاعي" فليس إلا محاولة لإعادة المجتمع إلى عصور الصمت، حيث ينجو المعتدي بـ "براءة وهمية" وتُسحق الضحية مرتين: مرة بفعل التحرش، ومرة بلسان من يدعون حماية الأخلاق.