مراجعات
عندما تُفتح خزائن الأسرار الفاضحة، لا يكون السؤال الأبرز: «ماذا كُتب؟»، بل «مَن الذي سيعثر على اسمه فيها؟».. هكذا يمكن قراءة التداعيات المزلزلة لنشر وثائق «إبيستين»، التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية في 30 يناير 2026.
3 ملايين وثيقة و2000 فيديو و180 ألف صورة ـ بعد «تنقيحات واسعة» ـ ارتبطت برجل الأعمال الأمريكي «جيفري إبيستين»، شكَّلت صدمةً نفسيةً عالميةً، ووضعت عددًا كبيرًا من القادة والزعماء والمسؤولين والأثرياء حول العالم في مواقف لا يُحسدون عليها.
لم تكن فضائح «جزيرة الحرام» صادمة فقط بما كشفته من ممارسات وانتهاكات مخجلة، بل بالطريقة التي عَرَّت بها صورة النُّخَب والمشاهير في أذهان الناس، بعد أن تحولت الجزيرة إلى «رمز أنيق» لعالمٍ سفليٍّ، سُحِقت أخلاقه تحت أنقاض فضيلة زائفة، تُدار فيه الصفقات المشبوهة خلف واجهات برَّاقة!
مهما تباينت القراءات القانونية والأخلاقية للوثائق المسرَّبة، فإن أثرها السياسي تجاوز بكثير مضمونها المباشر، حيث لم تُسقط أنظمةً، لكنها زرعت بذور الشك.. والشك في السياسة أخطر من الإدانة، لأنه لا يُغلق ملفًا، بل يُبقيه مفتوحًا إلى أجل غير معلوم.
اللافت أن كل اسمٍ لامعٍ بات مشروعَ تساؤلٍ، وكل فيديو، أو صورة مصافحة أصبحت قابلة لإعادة تأويل، حتى أولئك الذين لم تَرِد أسماؤهم بعد، بدوا وكأنهم يُعدُّون جملة دفاعية مختصرة، تُقال عند الحاجة، أمام الكاميرات، أو في لحظات تأنيب الضمير.
يقينًا، لا تبدو القضية مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، طالت عددًا كبيرًا من قادة وزعماء ومسؤولين ومشاهير وأثرياء، لكنها كشفت كيف يُدار العالم من غرف خلفية، وتُتخذ القرارات الكبرى داخل دوائر مغلقة ومشبوهة، تتقاطع فيها الأموال والشهرة والسياسة مع أشكال ناعمة من الابتزاز، لتصبح الوثائق أدوات ضغط مؤجَّلة، وليست أرشيفًا للماضي.
أما عربيًّا، فقد توقفت قلوب كثير من المسؤولين فيما تَيَسَّر من تسريبات حتى الآن، خصوصًا مَن وَرَدَت أسماؤهم أو صورهم، لتقض مضاجعهم وتُنَغِّص حياتهم، وتهدد مستقبلهم الغامض، رغم أن الوثائق قد لا تُثبت إدانة، إلا أنها كافية لوضعهم في دائرة الشبهات، بعد أن فتحت بابًا ليس من السهل إغلاقه، ليكون لسان حال الكثيرين: «لسنا سُذَّجًا، نعلم أن اللعبة أكبر من شخص، وأوسع من جزيرة، وأعمق من فضيحة».
أخيرًا، لم تكشف «وثائق إبيستين» عن ممارسات منحرفة فحسب، بل عن بنية عالمية مختلّة، يُمسك بخيوطها عالم سري مظلم، يجعل القوي خائفًا مرتعبًا من وثيقة، ويترك الضعيف حائرًا يتساءل: «إذا كانوا هم قلقين إلى هذا الحد، فماذا يُدار باسمنا؟»، ولذلك فإن أخطر ما في الوثائق ليس ما فَضَحَته، بل ما تركته مفتوحًا من أسئلة ومصائر مؤجَّلة.
فصل الخطاب:
يقول الكاتب والروائي البريطاني جورج أورويل: «حين تحكم العالمَ قِلّةٌ في الظل، لا يكون الخطر في الجرائم التي تُرتكب، بل في الملفات التي تُحفظ لليوم الذي يحتاجون فيه إلى الطاعة».