فى الصميم
تعتبر أموال الزكاة والصدقات والتبرعات فى مصر ثروة قومية هائلة، لو أُحسن استغلالها وتوجيهها لغيرت وجه الحياة لملايين المصريين. ورغم ضخامة هذه الأموال، إلا أن أثرها يتبعثر ويضيع فى دهاليز العشوائية، حيث يحصل البعض على أضعاف حاجته، بينما ينام آخرون ببطون خاوية. هنا يبرز السؤال الأهم: أين دور المايسترو الذى ينظم هذه المنظومة؟ إن الحل الجذرى لا يكمن فى الدعاية لزيادة التبرعات بقدر ما يكمن فى إدارة وتوزيع المتاح منها، وهو الدور المنوط بوزارة التضامن الاجتماعى بصفتها المسئول الأول عن مظلة الحماية الاجتماعية فى مصر.
لم يعد مقبولاً أن يقتصر دور وزارة التضامن الاجتماعى على منح التراخيص للجمعيات أو الرقابة الإدارية الروتينية. الدور الحقيقى والملح الآن هو بناء «قاعدة بيانات قومية موحدة ودقيقة». تمتلك الوزارة الأدوات والسلطة للوصول إلى البيانات الحقيقية للمواطنين، وبالتالى يقع على عاتقها غربلة قوائم الفقر فى مصر، وفصل محترفى التسول والمدعين عن أصحاب الحاجة الحقيقية. يجب أن تصدر الوزارة قوائم مدققة ومحدثة دورياً، تعتمد على الرقم القومى والربط مع الجهات الحكومية الأخرى لكشف الدخل والممتلكات، لضمان أن من يرد اسمه فى قوائم الاستحقاق هو فعلاً مواطن مصرى يستحق الدعم، وليس مجرد اسم فى كشوف قديمة تتوارثها الجمعيات وتوزع التبرعات على أساس الواسطة والمحسوبية.
إن أخطر ما يواجه العمل الخيرى فى مصر هو «الازدواجية فى الصرف». نجد مواطناً واحداً مسجلاً فى عشر جمعيات خيرية، يحصل على ١٠ كراتين رمضان، بالإضافة إلى الحصول على مبالغ مالية من عدة جهات، بينما جاره المتعفف لا يجد شيئاً. هنا يجب أن تتدخل الوزارة لفرض نظام تنسيقى صارم يحدد «كوتة» أو نطاقاً جغرافياً ومسئولية محددة لكل جمعية ومؤسسة أهلية.
من الممكن وضع آلية لتقسيم المناطق والقرى والنجوع بين المؤسسات الكبرى، بحيث تكون الجمعية (أ) هى المسئولة الوحيدة عن المنطقة (س)، والجمعية (ب) مسئولة عن المنطقة (ص).
التوزيع الفئوي: أو يتم التنسيق نوعياً، فتختص مؤسسات بعينها بملف العلاج، وأخرى بملف الغذاء، وثالثة بملف التعليم، لضمان عدم تفتيت الجهود.
بهذه الطريقة، نضمن وصول التبرع لمستحق واحد فعلى، ونمنع ظاهرة «تدوير التبرعات» التى يقوم بها البعض، ما يوسع دائرة الاستفادة لتشمل ملايين الأسر المحرومة التى سقطت من الحسابات بسبب العشوائية.
لتحقيق ما سبق، لا بد من تفعيل شبكة إلكترونية موحدة تديرها الوزارة، وتلزم جميع الجمعيات والمؤسسات الأهلية - مهما كان حجمها - بالانضمام إليها. بمجرد إدخال الرقم القومى للمستفيد فى أى جمعية، يظهر للنظام فوراً ما إذا كان هذا الشخص قد حصل على دعم مماثل من جمعية أخرى فى نفس الفترة الزمنية أم لا. هذا النظام سيغلق الباب نهائياً أمام التلاعب، وسيخفف العبء عن الجمعيات التى تهدر مواردها فى البحث الميدانى المتكرر، ويوجه تلك الموارد لمن لم يحصل على حقه.
لا بد من حماية أموال المتبرعين وصيانة كرامة الفقراء. فعندما يجد المتبرع شفافية فى التوزيع سيخرج زكاة ماله، ويضع ثقته فى أن هذا المال سيذهب لسد ثغرة حقيقية. غياب التنسيق هو خيانة غير مقصودة لهذه الأمانة. إن تدخل وزارة التضامن الاجتماعى بوضع هذه المعايير ليس تضييقاً على العمل الأهلى، بل هو حماية له من العبث، وضمان لوصول الحقوق لأصحابها. إن الهدف الأسمى هو الانتقال من مرحلة «توزيع الفتات» إلى مرحلة «التمكين الحقيقي»، وهذا لن يحدث إلا إذا ضمنا أن كل جنيه يخرج من جيب متبرع يذهب لمكانه الصحيح، لسد حاجة مواطن لم تصل إليه يد العون من قبل.