اغتيال الوريث
«سيف الإسلام القذافى» يسقط فى عملية كوماندوز غامضة بالزنتان
كشفت تطورات جديدة عن تفاصيل مقتل سيف الإسلام القذافى، نجل الزعيم الليبى الراحل معمر القذافى، فى عملية اغتيال وُصفت بالمنظمة، نفذتها مجموعة مسلحة مكونة من أربعة أفراد داخل منزله فى مدينة الزنتان، على بعد نحو ٢٠٠ كيلومتر جنوب غرب العاصمة طرابلس، وسط استمرار الغموض حول الجهة المنفذة وتداعيات الحادث على المشهد الليبى.
وقال محامى سيف الإسلام، الفرنسى مارسيل سيكالدى إن موكله تم قتله على يد فرقة كوماندوز مؤلفة من اربعة مسلحين، مؤكدا أنه كان قد تلقى قبل نحو عشرة أيام تحذيرات تتعلق بوجود مخاطر تهدد سلامته، فى اشارة إلى أن العملية لم تكن مفاجئة بل سبقتها مؤشرات امنية مقلقة.
من جانبه، أعلن الفريق السياسى لسيف الاسلام القذافى عن أن عملية مسلحة استهدفته داخل مقر اقامته فى الزنتان، مؤكدا مقتله خلال الهجوم. ووصف عبدالله عثمان القذافى، ابن عم سيف الاسلام وعضو فريقه السياسى، ما جرى بأنه جريمة منظمة انتهت باغتياله داخل منزله.
ووفقا للتفاصيل التى وردت فى بيان الفريق السياسى، اقتحم أربعة مسلحين مجهولين المنزل، وقاموا فى البداية بتعطيل كاميرات المراقبة، قبل أن تندلع مواجهة مباشرة بين المهاجمين وسيف الإسلام، انتهت بسقوطه قتيلا داخل المقر.
وفى تعليق لافت، وصف موسى ابراهيم، المتحدث السابق باسم نظام القذافى، العملية بأنها فعل غادر، مؤكدا انه تحدث مع سيف الاسلام قبل يومين فقط من مقتله. وقال إن سيف الاسلام كان يعمل من اجل ليبيا موحدة وذات سيادة وآمنة لجميع مواطنيها، معتبرا أن اغتياله يمثل اغتيالًا للأمل والمستقبل فى ليبيا.
من جانبه أعلن رئيس المجلس الرئاسى محمد المنفى عن متابعته لما جاء فى بيان مكتب النائب العام بشأن اغتيال المرشح الرئاسى، مؤكداً أن النيابة العامة باشرت تحقيقاً ابتدائياً لكشف ملابسات الحادثة ودوافعها بشكل شامل.
ودعا المجلس الرئاسى جميع القوى السياسية إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية، مشدداً على متابعة الإجراءات بدقة لضمان عدم الإفلات من العقاب وترسيخ مبدأ المحاسبة. وأعرب المجلس عن تفهمه للقلق المتصاعد فى الشارع الليبى، مرحباً بالاستعانة بالدعم الفنى والخبرات اللازمة ضمن الأطر القانونية لتعزيز شفافية التحقيقات وتسريع إعلان نتائجها، بما يسهم فى تعزيز ثقة الرأى العام.
ودعا القوى السياسية والإعلامية والاجتماعية إلى ضبط الخطاب العام ورفض التحريض للحيلولة دون استغلال الجريمة لتحقيق أهداف تقوض مسار المصالحة الوطنية. وأكد المجلس أن الهدف من الاغتيال يتمثل فى ضرب الجهود الرامية إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب الليبى قيادته بإرادة مستقلة. وشدد المجلس على أن ليبيا لا تُدار بالعنف ولا تبنى بالخوف، وأن القتل خارج إطار القانون مرفوض، معتبرًا أن الدم الليبى محرم ولا يجوز العبث به.
فى المقابل، نفى اللواء 444 قتال، التابع لوزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية فى طرابلس، أى صلة له بمقتل سيف الاسلام القذافى. وأكد فى بيان رسمى أنه لم يشارك فى اى اشتباكات بمدينة الزنتان، ولم تصدر له اى تعليمات رسمية بملاحقته، مشددا على أن هذا الملف خارج نطاق مهامه العسكرية والامنية، كما نفى وجود اى انتشار ميدانى له فى المدينة أو محيطها.
وشدد البيان على أن اللواء لم يتلق أى تعليمات أو اوامر تتعلق بملاحقة سيف الإسلام القذافى، مؤكدا أن هذا الملف لا يدخل ضمن مهامه العسكرية أو الأمنية، وداعياً وسائل الإعلام ورواد مواقع التواصل الاجتماعى إلى تحرى الدقة وعدم الانسياق وراء الشائعات التى تهدف إلى إثارة البلبلة وخلط الأوراق فى هذا التوقيت الحساس.
وعلى صعيد التحقيقات أعلن مكتب النائب العام الليبى عن أن المحققين والأطباء الشرعيين قاموا بفحص جثة سيف الاسلام، وتبين أن الوفاة نتجت عن اصابات مباشرة بطلقات نارية. وأكدت النيابة العامة أن التحقيقات لا تزال مستمرة لتحديد هوية المشتبه بهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لرفع دعوى جنائية بحق المتورطين.
وفى ظل غياب أى بيانات رسمية من الجهات الحكومية أو القضائية فى شرق أو جنوب ليبيا، ظهرت روايات متباينة حول الجهة المسئولة عن الاغتيال. واتهم الصحفى المقرب من سيف الإسلام، مصطفى قدربوه، ميليشيات عسكرية تتبع صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، والمعروفة باسم قوة النخبة، بالوقوف وراء الهجوم، من دون صدور تعليق رسمى يؤكد أو ينفى هذه الاتهامات.
ويرى محللون أن مقتل سيف الإسلام القذافى ليس من المتوقع أن يغير موازين القوى العسكرية أو السياسية بشكل جذرى، لكنه يمثل تطورا خطيرا يعمق حالة الهشاشة وعدم اليقين التى تسيطر على الوضع الليبى.
ويشير مراقبون إلى أن سيف الاسلام، رغم محدودية نفوذه العملى، كان يشكل ورقة رمزية فى أى نقاش محتمل حول تسوية سياسية شاملة، لا سيما لدى شرائح قبلية واجتماعية كانت ترى فيه امتدادا لمرحلة ما قبل عام 2011.
ويحذر محللون من أن غيابه قد يغلق أحد المسارات النظرية لإعادة ترتيب السلطة، ويعمق مناخ الإقصاء السياسى، ويزيد من ازمة الثقة بين الاطراف المتنازعة، فى ظل مخاوف من ردود فعل انتقامية محتملة فى بلد يعانى من انتشار السلاح وضعف مؤسسات الدولة.
ولد سيف الاسلام القذافى عام 1972، وبرز منذ تسعينيات القرن الماضى كلاعب أساسى فى النظام الليبى، حيث اضطلع بادارة ملفات دولية بارزة، من بينها قضية لوكيربى والبرنامج النووى، واطلق مشروعا اصلاحيا حمل اسم ليبيا الغد.
وبعد انتفاضة عام 2011، اعتقل فى الزنتان، وصدر بحقه حكم إعدام غيابى، قبل أن يفرج عنه عام 2017 بموجب قانون العفو العام. وظل متخفيا عن الانظار لسنوات خوفا من الاغتيال، قبل أن يظهر مجددا عام 2021 مرتديا الزى الليبى التقليدى لتقديم ترشحه للانتخابات الرئاسية، غير أن ترشحه قوبل برفض شديد من قوى سياسية وعسكرية، واستبعد من السباق بسبب حكم الادانة الصادر بحقه عام 2015، ومع تعطيل جلسات الطعن من قبل مجموعات مسلحة، انهار المسار الانتخابى وعادت البلاد إلى حالة الجمود السياسى.
وراهن سيف الاسلام حينها على حنين قطاع من الليبيين إلى مرحلة الاستقرار النسبى التى سبقت سقوط نظام والده، غير أن ترشحه أثار جدلًا واسعًا ورفضًا من قوى سياسية وعسكرية، وساهم فى تعقيد المسار الانتخابى وانهياره.
وفى مقابلة سابقة مع نيويورك تايمز عام 2021، قال سيف الإسلام إنه ابتعد عن الشعب الليبى لعشر سنوات، وإن العودة يجب أن تكون تدريجية للتأثير فى وعى الناس وأفكارهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض