رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

المُخيف فى سياسة ترامب الخارجية ليس إعلانه الواضح عن أطماعه بل السعى إلى تحقيق رغباته باستخدام القوة العسكرية، خاصة بعد أن شهد العالم مزيجا من إطلاق التهديدات الترامبية ثم التراجع عنها ثم تنفيذها بالقوة، حدث ذلك فى فنزويلا، ويحدث الآن مع «جرين لاند»، لكن هل يستطيع ترامب تنفيذ تهديداته بالنسبة لإيران؟ الإجابة عن السؤال السابق تحتاج أولاً الإجابة عن السؤال البديهى ماذا يريد ترامب من طهران؟
الواضح أن أهداف ترامب فى طهران لا تقترب من حافة أطماعه بالسيطرة على ثروات «جرين لاند» أو بترول فنزويلا، فالرئيس الأمريكى، الأكثر ذكراً فى ملفات إيبستين الفاضحة، يريد بوضوح إخضاع طهران بالقوة تحت السيطرة الأمريكية؛ بتنفيذ ثلاثة مطالب أبرزها إنهاء برنامجها النووى، ووضع قيود على تطوير الصواريخ الباليستية، وقطع دعمها لأذرعها فى الشرق الأوسط المتمثلة فى حماس وحزب الله والحوثيين.
المعضلة أن ترامب يدرك جيداً أن تلك المطالب لا يمكن تنفيذها، ومع ذلك يعلن دائماً أن طاولة المفاوضات مفتوحة أمام طهران قبل أن ينفذ الوقت!، على الجانب الآخر تعلم إيران علم اليقين أن تنفيذ تلك الرغبات المستحيلة لن يحميها من التحرش العسكرى الأمريكى، ولن تكون هناك ضمانات موثوقة لعدم تعرضها لهذا التحرش انطلاقاً من دروس التاريخ، كما تشير«فرح جان، محاضر أول فى العلاقات الدولية، جامعة بنسلفانيا»، فقد تخلت ليبيا عن برنامجها النووى 2003، وبعد ثمانى سنوات، شن حلف الناتو غارات جوية على طرابلس وتم قتل معمر القذافى، كذلك تخلّت أوكرانيا عن ترسانتها النووية 1994 مقابل ضمانات أمنية من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا، وبعد عشرين عاماً، ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم، قبل أن تشن غزواً شاملاً عليها فى 2022، تلك الدروس كما تشير« فرح جان» لم تغب عن كبير المستشارين الإيرانيين، ففى حديثه يوم 27 يناير على التليفزيون الرسمى، قال: «إن مطالب واشنطن تتمثل فى نزع سلاحكم حتى نتمكن من ضربكم متى شئنا»!.
فإذا كان التخلى عن البرنامج النووى يؤدى إلى تغيير النظام، والتخلى عن الأسلحة يؤدى إلى الغزو، فإن المنطق يقول إن الأمن لا يتحقق إلا من خلال امتلاك الأسلحة النووية وليس عن طريق التفاوض على التخلى عنها، وإذا كان هذا اليقين المتبادل من سوء النوايا بين ترامب وإيران هو المسيطر على تلك المرحلة من الصراع، فيبدو أن السؤال الأهم الآن: هل يستطيع ترامب تنفيذ أهدافه بالقوة العسكرية، وما هى توابع تلك الضربة إن حدثت بالفعل؟
يحدد لنا نموذج الباحث النمساوى فى مجال النزاعات «فريدريش جلاسل» تسع مراحل لتصاعد الصراع، يبدأ بمرحلة «التصلب» وبعد أن يفقد أحد الطرفين الإيمان فى إمكانية حل المشكلة، تبدأ مرحلة «الجدل» وسعى كل طرف إلى البحث عن وسائل أقوى لإثبات وجهة نظره والترويج لها، بعدها ينتقل الصراع إلى مرحلة «الأفعال»، ثم يدور النزاع حول الانتصار أو منع الهزيمة وتجنيد الأنصار وحشد التحالفات.
ينتقل نموذج «جلاسل» بعدها إلى مرحلة «استراتيجية التهديد» وفيها يتم اللجوء إلى التهديد بأعمال تهدم الطرف الآخر من أجل إجباره للسير فى الاتجاه المطلوب، ثم مرحلة «الضربات المدمرة المحدودة» وفيها يتوقع كل طرف أن يكون العدو قادرا على القيام بأعمال مدمرة، ويكون الشاغل الأكبر لكلا الطرفين هو تأمين بقائه،  ثم تأتى مرحلة «التفتيت» وانهيار نظام الخصم عن طريق تكثيف الهجمات والضربات التى تهدف إلى تدمير النظم الحيوية وشل قدرة العدو على اتخاذ القرار، أما المرحلة الأخيرة فى النموذج فعنوانها «معاً نحو الهاوية»، وفيها تكون المواجهة بين الطرفين حتمية، وتصبح القوة المحركة للتدمير أقوى وقد تصل إلى تدمير العدو حتى لو كان الثمن تدمير الذات أيضاً.
وبتطبيق هذا النموذج على التوتر«الأمريكى الإيراني» الأخير، ستجد أننا على عتبة المرحلة الأخيرة التى يهرب منها الطرفان، ويبحثان عن مخرج يحفظ ماء الوجه لكليهما، فمشاهد الاستعراض الهوليودى الذى حدث خلال اعتقال الرئيس الفنزويلى يستحيل تكرارها فى طهران التى تمتلك ترسانة صاروخية هى الأكبر والأكثر تنوعاً فى الشرق الأوسط، حسب تقرير لموقع« Missile Threat » التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS.
الخلاصة: إذا وصلنا إلى المرحلة الأخيرة من الصراع، ولو عن طريق الخطأ، فلن تكون توابع تلك المرحلة محدودة النطاق بل ستمتد آثارها إلى العالم أجمع.
فى النهاية: بسبب هذا التصعيد الترامبى المجنون تم تحريك ساعة القيامة إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل،  وهو أقرب وقت وصلت إليه فى تاريخها الممتدّ لما يقارب من ثمانية عقود، وهو تحذير يجب الإنتباه إليه جيداً لأن إيران ليست فنزويلا.

[email protected]