لم يكن القرآن يومًا موضع خلافٍ في قداسته، ولا في كونه كتاب الله المحفوظ، فذلك أمرٌ مقدس ومستقرّ في القلوب قبل العقول، إنما كان الخلاف، ولا يزال في الصوت الذي يحمله، وفي الروح التي تُودَع بين آياته.
فهناك قرآنٌ يُتلى ليُحيي النفوس، فتخشع له القلوب قبل الآذان، وهناك قرآنٌ يُؤدَّى أداءً جافًا، بلا رجفةٍ ولا مشاعر ولا أثر ولا تأثير.
ومن هنا تبدأ الحكاية… لا بين نصٍّ ونص، بل بين تلاوةٍ تسموا بالإنسان، وتلاوةٍ تهدم النفس البشرية تحت مسمى «الخشوع المصطنع».
من هذا الفهم تحديدًا، يمكن قراءة التجربة المصرية في «مدرسة التلاوة».. إنها تجربة لم تنظر يومًا إلى القرآن بوصفه خصمًا للنفس، ولا عدوًا للوجدان، بل صديقًا يعرف طريقه إلى القلب.
في مصر، وُلدت مدرسة التلاوة مبكراً في صدر الإسلام الأول وارتقت فوق كل مدارس القرآن الكريم حتى قال الفقهاء والمؤرخون قولتهم الشهيرة: «نزل القرآن في مكة، وقرئ في مصر».
ولدت مدرسة التلاوة من رحم المقارئ المصرية، وتشكلت في حضن الأزهر الشريف، ونضجت على منابر الإذاعة، فجمعت بين الطرب الشرعي، والمقام المنضبط، وعذوبة الصوت، لا تزويقًا فارغًا، بل فهمًا عميقًا لمعنى الترتيل بأن يُرتَّب «الحرف، والمعنى، والعاطفة» في موضعها الصحيح.
في دولة التلاوة المصرية لا يُكسر القلب باسم الخشوع، ولا يُفزَع المستمع باسم الهيبة، بل يُقاد رويدًا رويدًا إلى سكينةٍ واعية، وخشوعٍ يُقوّي ولا يُنهك، يحيي ولا يميت، يسموا بالنفس البشرية ولا يهوي بها إلى عالم التشدد والاحتراب.
وعلى الضفة الأخرى من المدرسة المصرية، نشأت مدرسة مغايرة، بأسلوب مغاير، متحفّظ من الجمال، متوجّس من المقام، كاره لفكرة أن يكون للصوت دورٌ في تهذيب النفس، أسلوبٌ اختزل التلاوة في الحدر السريع، وضخّم نبرة الحزن، وضيّق المعنى على آيات العذاب والموت والجحيم، حتى بدا القرآن الكريم وكأنه كتاب إنذارٍ فحسب، لا كتاب هدايةٍ للبشرية.
في هذه المدرسة «الجافة» صار البكاء شرطًا، والحزن معيارًا، والتجهّم فضيلة، وتم استبدال الطمأنينة بالنواح، والتوازن بالانكسار، والصوت الحسن البكاء.
ومن هنا يتجلة لنا الفارق الجوهري بين قرآننا وقرآنهم، وبين مدرستنا ومدرستهم:
قرآنُنا يعلّم النفس كيف تخاف دون أن تتحطّم، وكيف ترجو دون أن تفرّط، وكيف تسمو دون أن تتوه، قرآنُنا يربّي القلب على الخشية الواعية، ويقوده إلى الرجاء دون إفراط، ويمنحه من السكينة ما يُصلحه ولا يكسره.
أما قرآنُهم، فيحاصر السامع بنبرة حزن قاتلة للنفس البشرية، ويضغط على القلب حتى يُنهكه، كأن الجمال شُبهٌة، وكأن الصوت الحسن خطر، وكأن الله جلّ جلاله، لم يُرد لكلامه أن يُتلى بصوتٍ يُشبه رحمته التي وسعت كل شيئ.
إن المدرسة المصرية في التلاوة لم تكن وصفًا طارئًا ولا تسميةً لاحقة، بل واقعًا تشكّل عبر قرون من التعليم والتلقّي، حتى صار لها صوتٌ يُعرَف وروحٌ تُحَسّ، مدرسةٌ جمعت بين حلاوة الصوت دون ابتذال، والتمكّن من الأداء دون استعراض، والدقة الصارمة في أحكام التجويد مع حضورٍ كاملٍ لهيبة التلاوة ومعناها، فالمقارئ المصرية لم تُنشئ حُفّاظًا فقط، بل ربّت السمع والوجدان، وضبطت الحرف كما تضبط النفس، وعلّمت الجميع أن القرآن لا يُؤدَّى فحسب، بل يُعاش ليُحيي النفوس.
وتطوّر الأداء داخل المدرسة المصرية، لا بوصف المقامات زينةً صوتية أو ترفًا لحنيًا، بل باعتبارها ميزانًا دقيقًا إذا التزم حدوده الشرعية، وخدم المعنى ولم يتسلّط عليه، هكذا جمعت التلاوة المصرية بين ضبط التجويد وروح المقامات، فصار الصوت خادمًا للمعنى لا حاكمًا عليه، وصارت القراءة تعليميةً هادئةً واضحةً، تُحسن المقام دون تكلّف، وتُجيد التعبير دون أن تخرج عن سمت الوقار.
وهذا كلّه لم يكن انفصالًا عن الهدي النبوي الشريف، بل امتدادًا له، فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم توجيهه الصريح إلى تحسين الصوت بالقرآن، فقال عليه الصلاة والسلام: «زَيِّنوا القرآنَ بأصواتكم»، وقال أيضاً: «ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن»، لا على معنى الغناء الخارج عن السمت، بل على معنى القراءة الحسنة التي تُوقظ المعنى وتُعين على التدبر.
وقد استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري وأثنى عليه، وسمع القرآن من غيره وبكى، في دلالةٍ واضحة على أن حُسن الصوت بابٌ من أبواب التأثر، لا تهمة ولا جريمة، وأن الجمال إذا انضبط كان طريقًا إلى الخشوع لا خصمًا له.
وكان صلى الله عليه وسلم يمدّ قراءته، ويُرجّع صوته في مواضع، بما يؤسس لجمالية الأداء حين تكون منضبطة غير متكلّفة، ثم جاءت النصوص تُعلي من شأن الإتقان، فرفعت «الماهر بالقرآن» إلى مصافّ السفرة الكرام البررة، وربطت المنزلة في الآخرة بحسن الترتيل في الدنيا، لا بسرعة الأداء ولا بقسوته، ولا بحزنه، ولا بتجهمه!.
ومن هنا استقرّ علماء الدين الإسلامي على أن تحسين الصوت والتغنّي بالقرآن سُنّةٌ معتبرة، ما دامت تضبط الحروف، وتُقيم التجويد، وتزيد التدبر والخشوع، أما تحويل التلاوة إلى استعراضٍ لحنيٍّ، أو ضغطٍ نفسيٍّ يُنهك القلب، أو أداءٍ يُكسر المعنى باسم الهيبة، فليس من هدي القراءة، ولا من روح القرآن التي نزلت هدايةً ورحمةً للعالمين.
إنه سر إلهي أن يحتفي القرآن الكريم بمصر، قبل أن تحتفي مصر بالقرآن الكريم، فمصر الدولة الوحيدة التي ذكرت في القرآن الكريم صراحة «5» مرات، كما ذكرت مجازاً أكثر من 74 مرة.
لم يقتصر الأمر على القرآن الكريم فحسب، بل سبقته الكتب السماوية المقدسة التي خلدت اسم مصر بين صفحاتها، فذكرت مصر في الكتاب المقدس «العهد القديم» أكثر من 700 مرة، منها نحو 291 مرة في التوراة فقط، ونحو 25 مرة في العهد الجديد، مما يعكس حضورًا روحانيًا وتاريخيًا لمصر كأرض مقدسة حاضنة للكتب السماوية.
دولة التلاوة.. فكرة عبقرية أعادت لمصر عرشها المسلوب
من هذا المنطلق النوراني، ولدت الفكرة العبقرية لبرنامج «دولة التلاوة»، لا ليكون مجرد برنامج استعراضي، بل استعادة حية لعرش التلاوة المسلوب، واستمراراً لمدرسة مصرية سطرت تاريخاً من الجمال والإتقان والإيمان.
وفي هذا المقام، لا يفوتني الإشادة والعرفان بجميع من أسهم في إنجاز هذا المشروع، وفي مقدمتهم صاحب الفضيلة الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والشيخ العارف حسن عبد النبي، والدكتور طه عبد الوهاب، والقارئ الشيخ طه النعماني، والداعية الإسلامي مصطفى حسني، وقيادات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.
وختاماً.. لابد وأن نٌسلم بأنَّ هذا البرنامج ليس مجرّد مسابقة عابرة، بل هو مشروعٌ حضاريٌّ راسخ، يرفع لواء الذَّود عن روح القرآن في زمن التيه الصوتي، وهنا في هذه المساحة المقدَّسة بين الصَّوت والرُّوح، تقف مصر بشموخٍ لتعلن للعالم أجمع: «هنا دولة التلاوة.. هنا دولة القرآن الكريم».