في نيودلهي، وقّع الاتحاد الأوروبي والهند هذا الأسبوع اتفاقية تجارية وأمنية تاريخية.
فهذه الاتفاقية لم تُوقَّع في زمن هدوء… بل في ذروة احتراق النظام العالمي
وتُنشئ منطقة تجارة حرة لنحو ملياري إنسان.
تفاصيلها ليست عادية، بل تمهد لعالم بدون أمريكا.
تم إلغاء الرسوم الجمركية على نحو 90% من تجارة السلع بين الطرفين.
ومضاعفة صادرات السلع الأوروبية إلى الهند بحلول عام 2032، وخفض الرسوم على السيارات الأوروبية من 110% إلى 10%.
وخفض الرسوم على النبيذ من 150% إلى ما بين 20% و30%، وإلغاء الرسوم على المجوهرات والمنسوجات الهندية إلى أوروبا، وإلغاء الرسوم على الأثاث، والمواد الكيميائية، والجلود، والمعادن الأوروبية إلى الهند..
الاتفاق لا يتوقف عند التجارة. بل يشمل تعاونًا أمنيًا في:
الأمن البحري ومكافحة الإرهاب
والأمن السيبراني، وهذا أمر هام جدا حيث تعتمد أوروبا على الشركات الأمريكية بنسبة 80% في مجال البنية الرقمية وخدمات الحوسبة السحاببية وأشباه الموصلات. مما يجعل الأمن القومي الأوروبي مكشوفا لامريكا.
وتحصد الشركات الامريكية نحو 300 مليار دولار سنويا من المستهلك الأوروبي.
كما شملت الاتفاقية أيضا إمكانية التطوير المشترك للتكنولوجيا العسكرية مستقبلًا ..
هذا ليس تقاربًا اقتصاديًا فحسب بين أوروبا والهند بعد 20 عاما من المفاوضات المتعثرة، بل قصف عنيف لترامب باللغة التي يفهمها: لغة القسوة والقوة، لكن هذه المرة، لم تكن القوة دبابات ولا حاملات طائرات، بل قوة مالية غاشمة.
تغادر الآن تريليونات الدولارات الاقتصاد الأمريكي في صمت.
فبينما يبتز ترامب العالم بحرب الرسوم الجمركية والتهديد العسكري والسطو على مصادر الطاقة والتهديد بخطف وقتل قادة الدول الذين لا يخضعون له، يُعيد العالم ترتيب نفسه بعيدا عن أمريكا
اتفاقيات تجارية جديدة، صفقات دفاعية جديدة، تحالفات جديدة مصممة للعمل دون الولايات المتحدة.
تتغير سلاسل التوريد. وتنهار الثقة.
وحين تنهار الثقة، لا يمكن استعادتها في وجود ترامب.
لم يعد شعار مظاهرات لا للملوك وحملة شعوب العالم “لن أزور أمريكا حتى يرحل ترامب” مزحة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح واقعا ملموسًا أصاب سياحة أمريكا في مقتل بعد مشاهدة المظاهرات العنيفة وأعمال الشغب والعداء ضد المهاجرين يغزو شوارع ولايات أمريكا.
ووصل حديث المقاطعات إلى كأس العالم الذي سيقام في يوليو القادم خسائر بالمليارات هذه هي التكلفة الحقيقية لشعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”. الذي رفعه ترامب وانصاره المتطرفين..
وزير المالية الألماني لارس كلينجبايل وجّه تحذيرًا صريحًا لواشنطن:
إذا عوقبت أوروبا لدفاعها عن جرينلاند والدنمارك، وعن سلامة أراضيها وسيادتها، فهذا يعني أن أمريكا تجاوزت الخطوط الحمراء، وعندها يجب أن تكون أوروبا مستعدة للرد.
الرسالة واضحة:
لم تعد أوروبا تلوّح… بل ترد من الهند قبل أن ترسل الضربة القاضية من الصين التي وصلها رئيس وزراء بريطانيا ستارمر هذا الأسبوع.
وعنوانها تجارة بلا دولار .
أنظمة الدفع البديلة تعمل خطوط المقايضة فعّالة في دول البريكس هذا يعني أن احتكار الدولار كعملة عالمية قد بدأ يتآكل فعليًا.
الصين البرازيل الهند تبيع السندات الأمريكية و أوروبا التي تملك منها 40 % هي الاخري علي الطريق التخلص من الدولار و شراء الذهب والفضة
ودليل ذلك
تجاوز الذهب رسميًا احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية العالمية ، متجاوزًا بذلك سندات الخزانة الأمريكية، وذلك للمرة الأولى منذ 20 عامًا . فقد بلغت حيازات الذهب الرسمية العالمية، وفقًا لسعر السوق، 5 تريليونات دولار، متجاوزةً بذلك حيازات سندات الخزانة الأجنبية الرسمية البالغة 3.9 تريليون دولار
ايام ترامب الصعبة بعد مؤتمر دافوس قد بدأت بالفعل وأمريكا في حالة غليان داخلي .
فحين تضيق الخيارات الاقتصادية، يلجأ القادة الشعبويون تاريخيًا إلى افتعال صدام خارجي وترامب قرر الابحار صوب إيران في الواقع انه يعجل بكتابة شهادة وفاته وعاجز حتي عن قصف إيران حتي الآن.
ما يجري الآن ليس عقابًا لأمريكا، بل انسحابًا جماعيًا من فوضي ترامب الذي حول التجارة إلى سلاح و الحلفاء إلى رهائن. مما جعل بريطانيا الحليف الأقرب و ظل أمريكا العقلي يصيبها القلق .حيث
وصل رئيس وزرائها ستارمر هو الاخر إلى بكين هذا الأسبوع برفقة أكثر من 50 من كبار رجال الأعمال، باحثين عن التجارة والاستثمار والاستقرار، والتحرر من هيمنة ترامب .
وبريطانيا ليست وحدها في هذا الوضع. ففي غضون أسابيع قليلة، قام قادة من كندا وكوريا الجنوبية وفنلندا بزيارات مماثلة، وألمانيا هي التالية.
ليس الأمر أن الدول "تختار الصين" على حساب الولايات المتحدة، بل هي دول تُهيّئ نفسها بهدوء لعالمٍ لم تعد فيه الولايات المتحدة ركيزةً موثوقة في ظل استمرار ترامب .
صفقة أوروبا مع الهند التي ابرمت هذا الأسبوع و وصفت بأم الاتفاقيات و هاجم بسببها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أوروبا قائلا ، بأن أوروبا تفتح أبوابها لبلد فرضت عليها أمريكا عقوبات لانه يستورد النفط الروسي.
أكدت تلك الاتفاقية بالتزامن مع زيارة رئيس وزراء بريطانيا للصين أن العالم اكتشف انه يستطيع أن يعمل دون أمريكا .
في الواقع هذا يعني أن أمريكا تقف علي حافة لحظة الهاوية
إما أن تنقذ نفسها من حماقة ترامب، أو تتركه يقودها…
إلى نهايتها.
فنيودلهي هذا الأسبوع ومن بعدها بكين لم تكن محطة عابرة، بل مركز كسر للهيمنة الامريكية
فالعالم يغادر المحطة الأمريكية بينما ترامب يقف وحيداً على الرصيف.