كتبت وأنا في حالة معاناة نفسية.. اعترافات أبو الغيط الصادمة عن دوافع كتابة مذكراته
في حديث صريح وعميق مليء بالتفاصيل الإنسانية والتاريخية، كشف السفير أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عن الدوافع الشخصية والمهنية التي دفعته لتأليف كتابيه "شاهد على الحرب والسلام" و"شهادتي"، وكيف تحوّل تاريخه المهني إلى التزام بالتوثيق ونقل الخبرة للأجيال الجديدة، وذلك خلال ندوة حوارية ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب
قال أبو الغيط إنه كتب الكتابين -اللذين يبلغ مجموعهما حوالي ألف صفحة- خلال عامي 2012 و2013 "في حالة من المعاناة النفسية الصعبة "، نتيجة شعوره بالأذى الشديد الذي لحق بالدولة المصرية وبأفرادها المخلصين خلال المرحلة التي أعقبت ثورة يناير.
أوضح أن الكتاب الثاني جاء استكمالًا لمسار طويل من والاستعداد لبذل كل جهد من أجل الدولة، مشيرًا إلى أن الكتابين معًا يضمّان نحو ألف صفحة، في ظل حالة من معاناة نفسية حقيقية، قبل أن يسمع نصيحة صادقة من زوجته والتي ناشدته بالكتابة قائلة : "اكتب ما رأيت؛ أنت تعرف كيف تكتب، وذاكرتك حديدية، والمذكرات التي كنت تسجّل فيها أين ذهبت؟ اكتب"..عندها عاد إلى الدفاتر التي كانت ترافقه في مكتبه، وغاص في أوراقه القديمة، ليخرج بعد تسعة أشهر بكتاب مكتمل. وأوضح أن "شاهد على الحرب والسلام" كتب في نحو خمسة عشر فصلًا، وسمح له بأن يروي الحرب والسلام من منظور شخصي ومهني.
واستعرض ذكرياته التي دافعته بقوة لكتابة الكتابين لتوثيق التاريخ المصري بصفته شاهد مستعرضا تأثير الصداقة كدافع للكتابة.
من أشد اللحظات تأثيراً في حديث أبو الغيط كانت ذكره لصديقه الراحل أحمد ماهر السيد وزير الخارجية الأسبق، الذي كان شريكه في كل شيء منذ عملهما معاً في مكتب مستشار الأمن القومي، مروراً بمفاوضات كامب ديفيد، واللقاءات مع الجانب الإسرائيلي، وحتى المهام الدبلوماسية في العواصم العالمية. قال أبو الغيط: قائلا :" رحيل ماهر من دون أن يترك شهادته مكتوبة شعرت بأن بمسؤولية مضاعفة.. وقلت لنفسي على الأقل أترك لبلدي شيئًا مكتوبًا».
وتوقف عند شخصية السفير الراحل أسامة الباز، الذي وصفه بأنه" أبو الدبلوماسيين" ورجل حكمة وخبرة استثنائية، معتبرًا أن إصابته بمرض ألزهايمر وانزواءه وتآكل ذاكرته كانا صدمة مؤلمة؛ وقال:" فها هو رأس مدرسة كاملة في صناعة القرار يختفي دون أن يودع خبرته على الورق" . من هذه اللحظة تبلور لدى أبو الغيط يقين بأن الذاكرة قد تُخطف فجأة، وأن التوثيق ليس ترفًا، بل واجب وطني ومهني.
لذلك قرر أن يكتب كل شيء، مستندًا إلى قراءاته المتعمقة في سلوك القادة وكيفية تصرّفهم في الأزمات، وأن يحوّل كل كلمة سمعها في مسيرته إلى مادة موثقة، لتتشكل لديه موسوعة عن زمن الحرب وزمن السلام، وعن ليالي السهر والفوضى والإحساس بالمسؤولية.
وشدد على أن الكتابة نفسها كانت معاناة؛ معاناة في جمع المادة، ومعاناة في الاستخلاص والتحليل، ومعاناة في التمسك بالمصداقية والجرأة دون الإضرار بالدولة. وأكد أن من يمسك بالكتابين لن يجد تضخيمًا للذات فلا وجود لكلمة (أنا) ، بل حضورًا طاغيًا لمصر: أين تقف؟ وكيف تتصرف؟ وما موقع كوادرها في لحظات المصير؟
ولفت إلى أن العملين يضمان ثروة من الوثائق، من بينها محضر اجتماع مجلس الأمن القومي المصري في 30 سبتمبر 1973، الذي انعقد من العاشرة مساء حتى الثانية صباحًا في رمضان، وفيه شرح الرئيس السادات بالتفصيل قراره بالمضي إلى الحرب وتقديره للموقف والبدائل المطروحة.
ثم انتقل إلى كتاب "شهادتي" ، موضحًا أنه ينتمي إلى مدرسة تؤمن بأن المسؤول المصري الذي يقضي سنوات طويلة في قلب مؤسسات بلده لا يجوز له أن يغادر في صمت دون أن يكتب تجربته. ورأى أن على من تولّى مسؤوليات كبرى أن يقدم للدبلوماسيين الصاعدين نموذجًا عمليًا: كيف يبنى المسؤول؟ كيف يصاغ فكره؟ كيف يتعلم ويتدرب ليصنع فارقًا حقيقيًا لبلده؟ هكذا أراد للكتاب أن يكون مدرسة مهنية بقدر ما هو شهادة سياسية وتاريخية.
وعن مضمون "شهادتي" ، أشار إلى أنه يتناول القضايا التي لا تزال تشغل واجهة المشهد حتى اليوم: القضية الفلسطينية الممتدة منذ أكثر من قرن، بما في ذلك الحقب التي تحمّل فيها جانبًا من المسؤولية أو كان شاهدًا قريبًا من صنع القرار؛ والعلاقات المصرية – الأمريكية الممتدة عبر نحو مئة وخمسين عامًا، وقد عاش منها أربعين عامًا عن قرب؛ والعلاقة مع الاتحاد السوفيتي وروسيا، وسلسلة من الملفات الإقليمية والدولية التي شكّلت عمود تجربته الدبلوماسية.
وكشف أبو الغيط أن "التكنولوجيا" سهلت إنجاز هذا العمل؛ فعند خروجه من وزارة الخارجية سلمه مدير مكتبه أسطوانة مدمجة تضم سبع سنوات كاملة من نشاطه كوزير، من لقاءات واتصالات وخطب وتحركات. فتح القرص على جهاز الحاسوب، وبدأ تفريغ مواده واحدة تلو الأخرى، معتبراً أن وزارة الخارجية، مثل القوات المسلحة، مؤسسة تقوم على الانضباط والأرشفة الدقيقة، وهو ما أتاح له أن يحوّل التجربة الميدانية إلى نص مكتوب غني بالتفاصيل.
في النهاية، قدم أبو الغيط نفسه لا باعتباره صاحب سيرة ذاتية يسعى إلى تلميع صورته، بل بوصفه شاهدًا يرى في التوثيق واجبًا تجاه وطن وتجاه جيل قادم، ويؤمن أن ما في الذاكرة وفي أرشيف الدولة يجب أن يصاغ في شهادة مكتوبة، تحاور الماضي وتخاطب الحاضر وتمنح من يأتي بعده خريطة طريق لكيف تكتب تجربة المسؤول حين يختار أن يضع الحقيقة قبل الذات.