رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مفهوم المناجاة وأركانها في الإسلام

بوابة الوفد الإلكترونية

تعرف المناجاة بأنها حالة من الشفافية الروحية تسمو بها النفس عن كدر الدنيا، وهي حديث خفي بين العبد وخالقه يشرق في القلب بأنوار اليقين والسكينة العميقة.

مفهوم المناجاة

ومن المقرر أن من أعظم أبواب الفتح على العبد، ومن أجلّ المنح التي يوهبها السالك في طريق الله: "باب المناجاة" والمناجاة في لغة العرب هي المسارّة، وهي حديث خفي يدور بين المُحِب وحبيبه، وبين العبد وربه. وهي حالة من الشفافية الروحية، ولحظة صفاء تسمو فيها الروح عن كدر الطين، ويشرق فيها القلب بأنوار اليقين، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى الدقيق في مدح سيدنا زكريا عليه السلام حين قال: ﴿إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَاۤءً خَفِیࣰّا﴾ [مريم: ٣]، فكانت مناجاته سرًا بينه وبين ربه، فاستحق الإجابة والمعجزة.

ولقد كان سيدنا رسول الله ﷺ، وهو الأسوة الحسنة والنموذج الأكمل، دائم المناجاة لربه، قائمًا بين يديه في خلوات الليل وجلَوات النهار، يعلّمنا بذلك كيف نتحقق بمقام العبودية، وكيف نأنس بالله جل جلاله. روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «قَامَ النبيُّ ﷺ حتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فقِيلَ له: غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، قالَ: أَفلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» [أخرجه البخاري في صحيحه]، فتلك هي اللذة التي لو علمها الملوك لقاتلونا عليها، ولكن الله اختص بها عباده الموفقين، وحُرم منها كثير من الخلق لغفلتهم عن حقيقتها وشروطها.

ولما كان الطريق إلى الله يحتاج إلى معالم واضحة؛ فإن للمناجاة أركانًا خمسة، استقرأها السادة العلماء من نصوص الوحيين ومسلك العارفين، وهي بمثابة دستور للواقف بباب الله، وهم:

أركان المناجاة

الركن الأول: الإخلاص (التجريد والتوحيد)
وهو الركن الركين؛ ويعني أن تُخرج "السِّوى" من قلبك، فلا يبقى في القلب إلا الله، وحقيقته ألا تسأل إلا الله، ولا تستعين إلا به، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَۚ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ حُنَفَاۤءَ﴾ [البينة: ٥] وهذا هو معنى التوحيد الخالص الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «‌إِنَّمَا ‌الْأَعْمَالُ ‌بِالنِّيَّاتِ» [أخرجه البخاري في صحيحه]، وتوجيهه ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما بقوله: «إِذَا ‌سَأَلْتَ ‌فَاسْأَلِ ‌اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» [أخرجه الترمذي في سننه]، فالمناجاة تبدأ بتفريغ القلب من الأغيار، لتتهيأ النفس لورود الأنوار.


الركن الثاني: الدوام والاستمرار (المواظبة)
من القواعد المقررة شرعًا أن "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «‌أَدْوَمُهَا، ‌وَإِنْ ‌قَلَّ» [أخرجه البخاري في صحيحه]، فالعبرة ليست بالكثرة المنقطعة، بل بالقليل المتصل؛ فإن الوصل يقتضي الاتصال، امتثالًا للأمر الإلهي: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾ [الحجر: ٩٩]، والمناجاة تحتاج إلى نَفَس طويل؛ فخذ من العمل ما تطيق، ولا تكن كالمنبتّ الذي لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «يَا أَيُّهَا ‌النَّاسُ ‌خُذُوا ‌مِنَ ‌الْأَعْمَالِ ‌مَا ‌تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ» [أخرجه البخاري في صحيحه]، فالقليل الدائم يربي في النفس "الصدق"، ويجعل القلب دائم التعلق بباب مولاه.


الركن الثالث: التدبر والتأمل (الوعي قبل السعي)
المناجاة ليست تمتمات باللسان مع غفلة الجنان، بل هي حديث واعٍ يسبقه تفكر، وهي قائمة على قراءة كتابين:

١. كتاب الله المسطور (القرآن الكريم): تدبرًا لآياته وفهمًا لمراداته، قال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَیۡكَ مُبَٰرَكࣱ لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [ص: ٢٩].

٢. كتاب الله المنظور (الكون): تفكرًا في آياته ونعمه، وصف الله به أولي الألباب فقال: ﴿وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلࣰا سُبۡحَٰنَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وكما قرر حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله: "الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم" [إحياء علوم الدين ٤/‏٤٢٣]، فلا بد للسان الذاكر من قلب متفكر، حتى تخرج الكلمات من مشكاة القلب الحي.


الركن الرابع: القلب الضارع (الافتقار)
وهو روح المناجاة وسرها؛ أن تناجي ربك بقلب منكسر، تشكو إليه بثك، وترجوه رحمته، وتتوسل إليه بفقرك وغناه، وبضعفك وقوته. قال تعالى: ﴿ٱدۡعُوا۟ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعࣰا وَخُفۡیَةًۚ﴾ [الأعراف: ٥٥]. ومدح الله أنبياءه بهذه الصفة فقال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ یُسَٰرِعُونَ فِی ٱلۡخَیۡرَٰتِ وَیَدۡعُونَنَا رَغَبࣰا وَرَهَبࣰاۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَٰشِعِینَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فالله سبحانه وتعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، وفي الحديث النبوي الشريف: «أَقْرَبُ ما يَكونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ، وهو ساجِدٌ، فأكْثِرُوا الدُّعاءَ» [أخرجه مسلم في صحيحه]، لأن السجود قمة التذلل والافتقار.


الركن الخامس: السِّرِّيّة (الخلوة)
الأصل في المناجاة أنها سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده. هي خلوة الحبيب بحبيبه بعيدًا عن أعين الناس، طلبًا للإخلاص وفرارًا من الرياء. وقد جعل النبي ﷺ ثمرة هذه الخلوة أن يكون العبد في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، فعدَّ من السبعة الذين يظلهم الله: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [متفق عليه].

وهنا يجب أن ننتبه لأمر دقيق، وهو أن المناجاة أوسع دائرة من الدعاء؛ فالدعاء طلب ومسألة قد يكون في الصلاة أو خارجها، أما المناجاة فهي "حالةُ خلوةٍ ومجالسة" تشتمل على الدعاء، وتلاوة القرآن، والتفكر، والحديث المباشر مع الله. وقد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ» [أخرجه البخاري في صحيحه]، ولذلك عدّ أهل الله أصحاب هذه الحال في منزلة عالية أسموها: أهل الحضور مع الله، فهي تجمع شتات العبادات القلبية واللسانية في بوتقة واحدة.