إيكونوميست: أزمة غرينلاند تكشف حدود تراجع ترمب وخطره المستمر على تحالفات واشنطن
لم يأت خطاب دونالد ترمب في منتدى دافوس بالصدامية التي توقعتها عواصم أوروبية عديدة، إذ بدا أكثر هدوءًا وتصالحًا نسبيًا. فقد تحدث عن “الحق والملكية والسيادة” الأمريكية على غرينلاند، قبل أن يتراجع تكتيكيًا عن فرض رسوم جمركية جديدة، ويستبعد اللجوء إلى القوة، متطرقًا إلى “إطار جديد” واتفاق محتمل.
غير أن مجلة الإيكونوميست ترى أن هذا الهدوء لا يعكس تحولًا حقيقيًا في نهج ترمب، بل يمثل تراجعًا مؤقتًا فرضته الظروف، محذّرة من أن المخاطر الأساسية على العلاقات الدولية والتحالفات الأمريكية لا تزال قائمة.
وتشير المجلة إلى أن أزمة غرينلاند مرّت بسلام هذه المرة لأن ترمب اختار المواجهة حول هدف “محدود القيمة الاستراتيجية” بالنسبة للولايات المتحدة. فغرينلاند تضم بالفعل قاعدة عسكرية أمريكية، كما تتيح الاتفاقات القائمة لواشنطن تنفيذ معظم ما تريده هناك دون الحاجة إلى تغيير السيادة.
وبحسب الإيكونوميست، فإن “المكاسب الإضافية من إعادة تلوين الخريطة بلون جديد تكاد تكون معدومة”، مقارنة بالكلفة السياسية والاقتصادية التي كان يمكن أن تترتب على خطوة من هذا النوع.
وتلفت المجلة إلى أن أوروبا نجحت هذه المرة في دفع ترمب إلى التراجع لأنها لوّحت بثمن حقيقي. فقد لعب التهديد بفرض رسوم انتقامية، ومخاوف الأسواق من اندلاع حرب تجارية وأزمة أمنية، إلى جانب رفض الرأي العام الأمريكي تحمّل كلفة الاستحواذ، دورًا حاسمًا في دفع الكونغرس إلى إظهار قدر نادر من التماسك في مواجهة الرئيس.
ومع ذلك، ترى المجلة أن خطاب دافوس كشف عن احتقار مقلق لأوروبا ولدور حلف شمال الأطلسي، إذ ادعى ترمب أن الولايات المتحدة تحملت “100%” من كلفة الحلف دون مقابل، بينما أشار وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى أن واشنطن أنفقت منذ عام 1980 ما يزيد بنحو 22 تريليون دولار على الدفاع مقارنة بالأوروبيين.
وتصف الإيكونوميست هذه الرواية بأنها “تشويه لتاريخ الناتو”، مذكّرة بأن أوروبا شكّلت خط الدفاع الأول خلال الحرب الباردة، وأن الدنمارك، قياسًا بعدد السكان، فقدت جنودًا في أفغانستان أكثر مما فقدته الولايات المتحدة.
وتحذر المجلة من أن ترمب يبالغ في اعتقاده بأن أمريكا “تمسك بكل الأوراق”، فالقارة الأوروبية تمثل سوقًا لما يقرب من تريليون دولار من السلع والخدمات الأمريكية، وتوفّر تقنيات حيوية في مجالات مثل صناعة الرقائق والطيران، فضلًا عن تعاون استخباراتي لا غنى عنه.
كما أن تآكل الثقة قد يدفع دولًا كألمانيا واليابان وبولندا إلى تسريع وتيرة إعادة التسلح، وربما التفكير في خيارات نووية، ما يفتح الباب أمام عالم أكثر اضطرابًا لا تستطيع الولايات المتحدة البقاء بمنأى عنه.
وفي قراءة الإيكونوميست، فإن غرينلاند ليست سوى “قمة جبل الجليد”، مؤكدة أن أوروبا مطالبة بالحفاظ على حلف الناتو قدر الإمكان، لكنها في الوقت نفسه بحاجة إلى الاستعداد لسيناريو تتآكل فيه التحالفات تحت ضغط رئيس أمريكي يرى في الحلفاء عبئًا أكثر منهم شركاء.


