منذ 3 أسابيع كتبت هنا عن محاولات هدم النظام الدولى القديم ومحاولة إنشاء نظام دولى آخر، وأشرت إلى إرهاصات هذا بالحصار المالى على الأمم المتحدة والانسحاب الأمريكى من 64 وكالة اتفاقية أممية وقلت وقتها إن النظام القادم يكون فيه من يملك القوه والتكنولوجيا هو السيد.. وهو من يتحكم فى مصير العالم كله.. وارهاصات هذا التغيير بدأت مع الإعلان عن مجلس السلام الذى يرأسه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، هذا المجلس الذى كان فى بدايته يتلخص فى ادارة وإعادة إعمار قطاع غزة، وجاء بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية الشاملة ضد سكان غزة.. ولكن يوم الخميس تحول هذه المجلس إلى مجلس جديد هدفه اسقاط نظام الأمم المتحدة وبناء نظام دولى جديد.
والذى تابع خطابات كبار المسئولين الأمريكيين فى احتفال توقيع وثيقة إشهار هذا المجلس وجدنا تحولا عن هدفه الخاص باعادة إعمار غزة بل جميع المتحدثين تحدثوا بإسهاب عن من اسرتهم حماس فى 7 أكتوبر الاحياء منهم والاموات ولم يشر احد إلى أكثر من 100 ألف شهيد من أبناء غزة لأنهم الأضعف، لم يسأل عنهم احد ولم يشر اليهم أى متحدث حتى من قبيل ذر الرماد فى العيون.
الأمر الثانى فى الحفل أن المتحدثين لم يتكلم احد عن الالتزامات الإسرائيلية تجاه هذا المجلس وكل الحديث عن حماس وحركات المقاومة الفلسطينية ولجنة إدارة قطاع غزه فهو مجلس حول الجلاد إلى ضحية والعكس وتجاهل السلطة الوطنية الفلسطينية التى تعد الممثل الوحيد للشعب الفلسطينى فلم تتم دعوة رئيس السلطة أو من ينوب عنه.
وبمجرد الاطلاع على وثيقة المجلس الذى نشرته وسائل الاعلام الأمريكية نجد أن الوثيقة التأسيسية منحت رئيس المجلس سلطات مطلقة فى إدارته..فهو من يعين اللجان الفنية وهو من يأمر بضم أى دوله ويرفض أى دولة وهو من يملك الغاء المجلس أو الإبقاء عليه وهو من يعين نوابه وممثليه ويملك الختم الخاص به أى أن جميع الدول الأعضاء هى مكملة للصورة فقط، هذه الوثيقة أعطت اختصاصات الهيئة للرئيس الأمريكى للتحكم فى مصير العالم.
وهذه الاختصاصات رفضها عدد كبير من الدول ومنها فرنسا لأنه تكرس للهيمنة الأمريكية على العالم التى يريدها ترامب باعتباره رئيس الدولة الأقوى عسكريا وتكنولوجيا واقتصاديا ومنذ توليه السلطة وهو يهدد برفع الجمارك الأمريكية على صادرات الدول المختلفة باعتبار أن السوق الأمريكى هو الأكبر فى العالم من حيث القوى الشرائية وهو يعتبر الجمارك سلاحًا يحارب به أى دولة تقف ضده بجانب التهديد بالقوة مثلما حدث فى واقعة اختطاف رئيس فنزويلا والتهديد بضرب ايران ولولا تدخلات عربيه لكان العدوان على ايران قد تم فى الأسبوع الماضى.
مجلس السلام خرج عن الهدف الذى أعلن من أجله عقب اتفاق وقف إطلاق النار فى غزه وإعادة الإعمار الذى يريد ترامب أن ينفذه وفقا لمخطط بأن يحول القطاع إلى ريفيرا جديدة حسبما أعلن فى كلمته الأخيرة.
مجلس السلام بداية لانهاء نظام الأمم المتحدة الذى صمد لمدة 80 سنة رغم ما به من سلبيات وكنا نعترض على انفراد 5 دول بالتحكم فى مصير العالم باستخدام حق النقض فى مجلس الأمن إلا أننا مقبلون على نظام يتحكم فيه فرد وليس دولة نظام أكثر دكتاتورية نظام لا يعرف إلا القوة والقوة الغاشمة فقط.