هل تراهن آبل على الجهاز الخطأ؟ جدل حول «دبوس الذكاء الاصطناعي» ومستقبل سيري
رغم التاريخ الطويل لشركة آبل في دخول الأسواق الجديدة بخطوات محسوبة وحلول ناضجة، فإن أحدث التسريبات حول عملها على جهاز قابل للارتداء يعمل كـ«دبوس ذكاء اصطناعي» أثارت تساؤلات أكثر مما ولّدت حماسًا.
فبدلًا من التركيز على معالجة أوجه القصور الواضحة في مساعدها الصوتي «سيري»، يبدو أن آبل قد تكون بصدد القفز إلى فئة أجهزة لم تُثبت نجاحها حتى الآن، في وقت تتصاعد فيه المنافسة والضغوط في سوق الذكاء الاصطناعي.
بحسب تقارير صحفية أمريكية، تعمل آبل على تطوير جهاز صغير مزود بكاميرات متعددة وسماعات وميكروفونات مع دعم للشحن اللاسلكي.
الفكرة الأساسية، كما يُتداول، أن يكون هذا الدبوس بوابة سهلة للوصول إلى نسخة جديدة من «سيري» المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي يُفترض أن تتحول إلى نموذج أقرب إلى روبوت محادثة متكامل. على الورق، قد يبدو الأمر امتدادًا طبيعيًا لطموحات آبل في هذا المجال، لكن عند النظر إلى الواقع، تتعقد الصورة.
اللافت أن هذا التوجه يأتي في وقت لم تُكمل فيه آبل بعد إصلاح مشاكل «سيري» نفسها، خاصة بعد تأجيل تحديثه الكبير، والانتقادات التي طالت إطلاق «Apple Intelligence» بسبب محدودية الإمكانيات وكثرة الأخطاء. هنا يبرز سؤال أساسي: هل يحتاج المستخدم فعلًا إلى جهاز جديد كي يتحدث إلى مساعد صوتي، في حين أن الآيفون وسماعات AirPods وساعة Apple Watch تقوم بالمهمة بالفعل؟
التجارب السابقة في سوق «دبابيس الذكاء الاصطناعي» لا تبعث على الاطمئنان. جهاز Humane AI Pin، الذي حظي بضجة إعلامية كبيرة عند الإعلان عنه، تحوّل سريعًا إلى مثال على الفشل، بسبب ضعف الأداء وغموض الفائدة العملية. كما أن الحديث عن جهاز مشابه من OpenAI لا يزال في إطار التوقعات، دون أي منتج فعلي حتى الآن. دخول آبل إلى هذه الفئة في هذا التوقيت قد يُفسَّر باعتباره محاولة للحاق بالموجة، لا قيادة لها.
في المقابل، تمتلك آبل بالفعل منظومة متكاملة من الأجهزة القابلة للارتداء. ساعة Apple Watch، على سبيل المثال، تطورت لتصبح جهازًا شبه مستقل، قادرًا على تشغيل التطبيقات، وإجراء المكالمات، والرد على الرسائل دون الحاجة الدائمة إلى هاتف. ومع تحسن العتاد، يمكن نظريًا توسيع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي دون إضافة جهاز جديد. الأمر ذاته ينطبق على سماعات AirPods، التي تشير شائعات إلى حصولها مستقبلًا على مستشعرات متقدمة تتيح التفاعل بالإيماءات وفهم البيئة المحيطة.
إلى جانب الجدوى التقنية، تبرز مخاوف اجتماعية وخصوصية لا يمكن تجاهلها. وجود جهاز صغير مزود بكاميرا ومثبت على الملابس قد يثير حساسية أكبر من الهواتف الذكية، التي يكون استخدامها للتصوير واضحًا للآخرين. الجدل الدائر حول نظارات Meta الذكية، وحظرها في بعض الأماكن العامة، يعكس حجم القلق من انتشار أجهزة تسجيل «دائمة الحضور». وحتى مع وعود الشركات بإشعارات عند التصوير، تبقى احتمالات إساءة الاستخدام قائمة.
المفارقة أن آبل، التي تأخرت سنوات في دخول أسواق مثل الهواتف القابلة للطي أو الخواتم الذكية، قد تسرّع الخطى نحو جهاز ذكاء اصطناعي مستقل في غضون عامين فقط. هذا التناقض يعكس، في نظر مراقبين، تأثير موجة الحماس المفرط حول الذكاء الاصطناعي على أولويات شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث بات الخوف من الظهور بمظهر المتأخر دافعًا لاتخاذ قرارات غير معتادة.
في النهاية، حتى لو خرج «دبوس آبل الذكي» إلى النور، سيبقى السؤال الأهم بلا إجابة واضحة: هل يحل مشكلة حقيقية لدى المستخدم، أم يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى منظومة تعاني أصلًا من نقص في النضج البرمجي؟ كثيرون يرون أن الرهان الأكثر منطقية لآبل ليس في جهاز جديد، بل في إعادة بناء «سيري» ليكون مساعدًا ذكيًا فعليًا، قادرًا على المنافسة دون الحاجة إلى تعليق كاميرا إضافية على ملابس المستخدم.