صواريخ
يشكل نهر النيل شريان الحياة لمصر على مدار تاريخها الممتد لآلاف السنين، إلى حد أن المؤرخ اليونانى هيرودوت أطلق عليه اسم- هبة النيل- نسبة إلى النهر منذ 2500 عام، وبما يشير إلى أن مياه النيل تمثل قضية وجودية للمصريين لا تقبل المساومة أو المقايضة. وإذا كانت إثيوبيا قد استغلت الظروف الصعبة التى مرت بها مصر عام 2011، وانشغال مؤسساتها بالحفاظ على تماسك الدولة الداخلى وعدم الانزلاق إلى الفوضى الخلاقة، وتحينت الفرصة وأسرعت فى بناء هذا السد بتوجيهات ومساعدات خارجية من دول إقليمية ودولية، بهدف خنق مصر والتأثير على قرارها السيادى، أو الحد من نفوذها فى محيطها الإقليمى، كما أكدته مجريات الأحداث فى مسارات التفاوض طوال السنوات الماضية، ومراوغة الجانب الإثيوبى فى الوصول إلى حل توافقى وقرارات الشرعية الدولية والقوانين المنظمة للأنهار الدولية، لفرض أمر واقع على مصر والسودان، فى توظيف سياسى للسد لخدمة قضايا أخرى، وليست الأهداف التنموية الحقيقية فى الداخل الإثيوبى التى لم تظهر لها أية ملامح رغم افتتاح السد منذ فترة!
رسالة الرئيس الأمريكى دونالد ترمب إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى بخصوص السد الإثيوبى، أعادت القضية إلى الواجهة، وشغلت الرأى العام المصرى، وقرأها كثيرون برؤى مختلفة، سواء بحسابات التوقيت، أو مجريات الأحداث والصراع فى منطقة القرن الإفريقى والبحر الأحمر، أو ربطها ببداية بدء المرحلة الثانية فى غزة.. وربما تكون اللغة الودودة والناعمة فى رسالة ترامب، قد أثارت مخاوف البعض، نتيجة العلاقات المتجذرة بين إسرائيل وإثيوبيا والأدوار المشبوهة التى يتبادلها الطرفان فى المنطقة، وأيضًا وجود علاقات ومصالح مشتركة بين أمريكا وإثيوبيا، وجميعها أطروحات ومخاوف مشروعة فى قضية بالغة الحساسية باعتبار أن مياه النيل لمصر أهم ركائز الأمن القومى، نظرًا لاعتماد أكثر من 95٪ من المصريين على هذه المياه فى حياتهم اليومية، سواء لمياه الشرب أو الزراعة أو باقى الأغراض.. إلا أن رد الرئيس عبدالفتاح السيسى على ترامب قد قطع كل الشكوك والمخاوف بعد أن ثمن اهتمام ترامب بمحورية نهر النيل ودور مصر فى المنطقة، أكد السيسى أن مصر لديها ثوابت فى هذه القضية وعلى رأسها مبادئ القانون الدولى التى تحقق المصالح المشتركة للدول دون الإضرار بأى طرف.
لا شك أن أمريكا لديها أوراق ضغط ودور يمكن أن تمارسه فى أزمة السد، خاصة أن الرئيس ترامب فى ولايته الأولى كان يرعى هذا الاتفاق وتم التوصل إلى اتفاق قانونى بعد مباحثات مضنية فى فبراير 2020، وأثناء حضور الوفود الثلاثة - مصر والسودان وإثيوبيا - للتوقيع فى واشنطن، انسحب الوفد الإثيوبى دون مبرر، وهو ما دفع مصر للتوجه إلى مجلس الأمن الدولى، وصدر بيان مهم من مجلس الأمن، يدعو إلى سرعة التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم بشأن قواعد مل وتشغيل السد طبقًا للقانون الدولية، وفى رسالته الأخيرة يعترف الرئيس ترامب بحقوق مصر المائية، وجميعها أسس يجب البناء عليها لإنهاء هذه القضية طبقًا للقانون الدولى بعيدًا عن أية مواءمات أخرى مرتبطة بصراعات المنطقة أو مراوغات إثيوبيا لتحقيق مكاسب على حساب الدول المجاورة، بعد أن تأكد عملية التوظيف السياسى للسد فى الداخل الإثيوبى وإيهام الشعب على مدار سنوات أن هذا السد يشكل نقطة تحول تاريخية فى حياتهم على المستوى الاقتصادى والتنموى، وبعد افتتاح السد تبخرت كل هذه الأحلام والأوهام.. والآن تعود إثيوبيا لاستخدام نفس اللعبة على المستوى الخارجى لابتزاز دول إقليمية.
حفظ الله مصر