أعاد المقترح الذي طرحه المصرفي ورجل الأعمال حسن هيكل، والمعروف إعلاميًا بـ«المقايضة الكبرى»، تسليط الضوء على واحدة من أعقد الإشكاليات التي تواجه الاقتصاد المصري، وهي التضخم المتسارع للدين الداخلي وما يترتب عليه من أعباء فوائد باتت تستنزف الموازنة العامة وتقيّد قدرة الدولة على توسيع الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.
ولا شك أن أهمية هذا الطرح تكمن في كونه يخرج عن الأطر التقليدية لإدارة الدين، ويدعو إلى معالجة هيكلية جذرية بدل الاكتفاء بإجراءات تدريجية محدودة الأثر. غير أن تقييم أي مقترح من هذا النوع يستلزم التمييز بين سلامة التشخيص وجدوى الحل المقترح.
أولًا: تشخيص الأزمة
ينطلق الطرح من حقيقة اقتصادية واضحة، تتمثل في الارتفاع الحاد لفوائد الدين المحلي، والتي أصبحت تمثل البند الأكبر في الإنفاق العام، متجاوزة الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار العام. كما أن الإشارة إلى معدلات الربحية المرتفعة في القطاع المصرفي تعكس خللًا بنيويًا في العلاقة بين المالية العامة والسياسة النقدية، حيث تحولت الدولة إلى المموّل الرئيسي لأرباح البنوك عبر أدوات الدين مرتفعة العائد.
هذا التشخيص يتسق مع الأدبيات الاقتصادية التي تحذر من تحوّل الدين المحلي، في حال تضخمه، إلى عامل كابح للنمو بدل كونه أداة تمويل.
ثانيًا: جوهر المقترح
يقوم مقترح «المقايضة الكبرى» على نقل ملكية أصول سيادية استراتيجية، وفي مقدمتها هيئة قناة السويس، من وزارة المالية إلى البنك المركزي المصري، مقابل إلغاء أو امتصاص جزء كبير من الدين الداخلي. ويرى صاحب المقترح أن البنك المركزي، بحكم طبيعته ووظائفه، يمتلك القدرة على ترحيل الالتزامات على آجال طويلة جدًا دون الضغط المباشر على الموازنة.
من الناحية النظرية، يندرج هذا الطرح ضمن ما يُعرف بإعادة هيكلة الميزانية العمومية للدولة (Sovereign Balance Sheet Restructuring)، وهو مفهوم مطروح في بعض التجارب الدولية، لكنه يظل محدود الاستخدام ومحاطًا بقيود صارمة.
ثالثًا: الإشكاليات الاقتصادية والمؤسسية
رغم الطابع الابتكاري للمقترح، فإنه يثير عددًا من التساؤلات الجوهرية:
1. طبيعة الأصول السيادية
قناة السويس ليست أصلًا ماليًا تقليديًا، بل مورد سيادي استراتيجي للنقد الأجنبي وعنصرًا أساسيًا في ميزان المدفوعات. وإعادة هيكلة ملكيتها، حتى داخل إطار الدولة، قد تحمل آثارًا غير مباشرة على ثقة الأسواق والمؤسسات الدولية.
2. دور البنك المركزي
تحميل البنك المركزي أعباء الدين المحلي يهدد بتآكل استقلاليته، ويفتح الباب أمام تداخل السياسة النقدية مع متطلبات التمويل الحكومي، وهو ما تحذر منه الأدبيات الاقتصادية لما له من انعكاسات محتملة على التضخم واستقرار العملة.
3. الاستدامة المالية
إلغاء فوائد الدين دون معالجة أسباب تراكمه قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في صورة مختلفة، إذا لم يُصاحب ذلك ضبط للإنفاق، وتوسيع للقاعدة الإنتاجية، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة.
رابعًا: الأثر الاجتماعي والاقتصادي
يربط المقترح بين «المقايضة الكبرى» وتحقيق طفرة فورية في الأجور والخدمات، بما في ذلك تطبيق شامل للتأمين الصحي. ورغم مشروعية هذه الأهداف، فإن التجربة الاقتصادية تشير إلى أن الإنفاق الاجتماعي المستدام يتطلب مصادر دخل مستدامة، وليس فقط تخفيف أعباء الفوائد في المدى القصير.
الخلاصة
يمثل مقترح «المقايضة الكبرى» إضافة مهمة للنقاش العام حول إدارة الدين الداخلي، ويعكس حاجة ملحّة إلى التفكير خارج الأطر التقليدية. غير أن تحويل هذا الطرح إلى سياسة قابلة للتطبيق يتطلب نقاشًا مؤسسيًا موسعًا، وتقييمًا دقيقًا لتكلفته ومخاطره، وضمان اتساقه مع مبادئ الاستقرار النقدي وحوكمة الأصول السيادية.
فالإصلاح الاقتصادي الفعّال لا يقوم على حلول صادمة فقط، بل على توازن دقيق بين الجرأة والانضباط، وبين معالجة الأعراض ومعالجة الجذور. وفي هذا الإطار، تبقى إدارة الدين مسؤولية جماعية تتطلب سياسات متكاملة، لا مقايضة واحدة مهما بلغت جاذبيتها النظرية