رقم واحد كفيل بأن يفجّر جلسات الحكومة الإسرائيلية ، ويربك هيئة الأركان، ويشعل الطبقة السياسية في تل أبيب.
30 ألف إسرائيلي يهربون من التجنيد.. نصفهم تقريبًا من الحريديم “المتدينون المتشددون”.
لكن الرقم الأسوأ أن هناك 80 ألف شاب حريدي بين 18 و24 عامًا مؤهلون للخدمة العسكرية… ولم يدخلوا الجيش.
والأخطر من كل ذلك أن الجيش نفسه يعترف بأنه يحتاج 120 ألف مجند إضافي خلال السنوات القادمة لتعويض الضغط الناتج عن الحرب في غزة وضد حزب الله وغيرها من تحديات وجودية تحيط بإسرائيل.
هذه معركة على من يملك تعريف إسرائيل؟.. معركة قد تؤدي مستقبلا لانهيار الدولة من الداخل.
…
جيش بلا جنود؟!
إسرائيل اليوم تقاتل على أكثر من جبهة مفتوحة:
الحرب في غزة تستنزف القوات النظامية.
الجبهة الشمالية على حافة الانفجار مع حزب الله.
سوريا تحت الرصد الإسرائيلي.
الضفة الغربية المحتلة قابلة للانفجار في أي لحظة.
والمواجهة مع إيران مسألة وقت فقط.
لكن المعركة الأخطر لا توجد على الخريطة… بل في التجنيد العسكري.
إسرائيل بُنيت على معادلة بسيطة: "المجتمع كله يخدم… والمجتمع كله يُقاتل".. لكن الحريديم كسروا هذه المعادلة.
…
دولة داخل الدولة
الحريديم ليسوا مجرد طائفة يهودية تقليدية.. هم كيان ديموغرافي – اقتصادي – سياسي مستقل تقريبًا:
لا يخدمون في الجيش.
يشاركون قليلًا في سوق العمل.
يعيشون على إعانات حكومية ضخمة.
ينجبون أكثر من أي مجموعة أخرى.
اليوم نسبتهم ما زالت صغيرة نسبيًا… لكن بعد 20 عامًا؟ سيصبحون الكتلة الشبابية الأكبر في إسرائيل.
….
شهادات حقيقية
هناك وجوه حقيقية تحكي القصة.
بينهم أوري، وهو ضابط احتياط بالجيش الإسرائيلي وعمره 27 عامًا، ويقول: "أحيانًا أشعر أنني أقاتل بمفردي. زملائي كلهم جنود حقيقيون… لكن عشرات الألوف من الحريديم المؤهلين لم يأتوا. أشعر وكأننا نكافح لملء فراغ يتركه مجتمع كامل".
وعلى جانب آخر، يقول موشيه، شاب حريدي في بني براك، عمره 22 عامًا: "الجيش؟ هذا ليس الطريق لخلاصنا. التلمود هو ما يحمي الشعب أكثر من أي بندقية. لن أتخلى عن حياتي الروحية من أجل قانون قد يلغى غدًا".
هذا التناقض يكشف عن الصراع النفسي بين الالتزام الديني والواجب الوطني، والصدام الذي يعيشه الجيش يوميًا.
…
من يدفع الثمن؟!
إسرائيل ليست مجرد ثكنة عسكرية.. هي أيضًا مشروع اقتصادي غربي قائم على:
• إنتاجية مرتفعة
• قوة تقنية
• طبقة ضريبية تموّل الدولة والجيش
• قوة عمل متعلمة
لكن الحريديم خارج هذا النموذج:
• أقل تعليم حديث
• أقل مساهمة ضريبية
• أعلى استفادة من الدعم الحكومي
البنك المركزي الإسرائيلي حذّر:
بحلول 2040 نصف ميزانية الدعم الاجتماعي قد تذهب للحريديم.
والسؤال الأكثر إحراجًا داخل تل أبيب:
هل ستكون هناك أصلًا «دولة» قادرة على دفع هذه الفاتورة؟
…
الأمن ضد الدين!
الصراع لم يعد يمينًا ضد يسار، ولا علمانيًا ضد محافظ.
الصراع الآن بين:
الدولة العسكرية التي تريد حماية الحدود بالسلاح.
و الدولة التوراتية التي تريد حماية “الروح” بالتلمود.
الحاخامات يقولون:
«طالب التوراة يحمي الأمة أكثر من الجندي.»
رئاسة الأركان الإسرائيلية ترد:
«بدون جنود… لا توجد دولة لحمايتها أصلًا.»
السؤال لم يعد: لماذا لا يتجنّدون؟.. لكن من يملك تعريف إسرائيل؟ الحاخامات أم الجنرالات؟
…
انهيار مجتمعي؟!
الحريديم نجحوا في أكبر عملية اختراق سياسي داخل إسرائيل:
• لا يخدمون بالجيش.
• لا يدفعون الضرائب.
• لكنهم يملكون القدرة على إسقاط أي حكومة.
لذلك كل رئيس وزراء خلال العقدين الأخيرين: وعد بحل المشكلة، وكان الحل هو استمرار المشكلة وتأجيل الحلول الواقعية.. فالتحالفات الدينية لا تريد دولة قوية…بل دولة ممولة.
…
أزمة داخلية!
المحكمة العليا في إسرائيل ألغت الإعفاءات الممنوحة للحريديم بعدم التجنيد،
لكن الحكومة تحاول الالتفاف على القرار، والأحزاب الدينية تهدد بإسقاط الائتلاف الحكومي، بينما العلمانيون يصرخون في الشوارع:
«نحن نقاتل… وهم يدرسون!»
هذه ليست أزمة تشريع.. هذه أزمة شرعية في تعريف الدولة.
…
معركة الزمن!
إسرائيل تخشى الزمن.
ليس الزمن الجيوسياسي… بل الزمن البيولوجي.
• كل سنة يتقدم سن المجنّد
• كل سنة يولد آلاف الأطفال الحريديم الذين لن يخدموا لاحقًا
النتيجة المحتملة:
جيش أقلية يخدم دولة أغلبية لا تحمل السلاح.
هنا تتحول إسرائيل من «دولة-جيش» إلى «دولة-مدرسة دينية».
….
لماذا الآن؟
الحرب الأخيرة في قطاع غزة أعادت فتح الجرح:
• غزة تحولت إلى حرب استنزاف
• الشمال مفتوح على حرب طويلة
• الجبهة الداخلية مكشوفة
• الاحتياط منهك
هذه أول مرة يشعر فيها الجيش بأن الديموغرافيا تهدد الأمن… لا العكس.
….
منظور الخصوم
أعداء إسرائيل يراقبون هذه التطورات من بعيد:
• إيران ترى الجيش يفقد موارده البشرية
• حزب الله يراهن على طول الحرب لا نتيجتها
• حماس تدرك أن إسرائيل قد تتفكك من الداخل أكثر مما تُهزم من الخارج.
القوة العسكرية لم تعد مشكلة أعداء إسرائيل.. المشكلة أصبحت التنمية البشرية داخل الجيش.. والسؤال الأبرز هو ما مصير الجيش الإسرائيلي خلال السنوات القليلة القادمة؟
سيناريوهات ما بعد الانفجار
في تل أبيب تُناقش ثلاثة سيناريوهات:
1- الهيمنة العسكرية: من خلال فرض التجنيد على الحريديم، ما يعني مواجهة مباشرة مع الحاخامات وتفكك الائتلافات وربما انتخابات مبكرة.
2- الدولة التوراتية: ما يعني تزايد ديموغرافي للحريديم ، وبالتالي الجيش يفقد مركزيته وتتحول الهوية تدريجيًا.
3- الانهيار الهادئ: ما يعني تفكك بطيء في أربعة مستويات:
• الردع العسكري
• الإنتاج الاقتصادي
• الشرعية السياسية
• الثقة الاجتماعية
والتاريخ غالبا ما يسجل هذا النوع الأخير من الانهيارات.
المفارقة الكبرى!
إسرائيل وُلدت من ميثولوجيا القوة… وقد تنتهي بسبب رفض القوة.
التهديد الأكبر قد لا يأتي من غزة أو لبنان أو حتى إيران…بل من حيّ ديني في القدس وبيت شيمش وبني براك.
….
انهيار قريب؟!
إسرائيل تحاول الجمع بين نموذجين لا يتعايشان: دولة جيش ودولة تلمود.
والتاريخ يقول: كالدول التي تحاول أن تكون شيئين متناقضين في الوقت نفسه… إما أن تختار في النهاية، أو يتم اختيارها من الخارج".
القنبلة موجودة.. والمؤقت يعمل.. والسؤال لم يعد: "متى ستنفجر القنبلة؟"، بل:
"هل ستبقى إسرائيل أصلًا بعد 2040 كي تدفع فاتورة الانفجار؟".