سوق الدواء يواجه أزمة ثقة بين «الدولة» و«الصيادلة»
مرة أخرى، يجد الرأى العام نفسه أمام مشهد بات مألوفًا فى ملف الدواء، قرار تنظيمى صادر عن الدولة بهدف ضبط ممارسة دوائية عالية الحساسية، يقابله اعتراض واسع وسريع من بعض الكيانات الممثلة للصيادلة قبل أن تهدأ الأسئلة الفنية أو تستكمل دوائر الحوار، وكأن تنظيم سوق الدواء أصبح خطًا أحمر لا يجوز الاقتراب منه دون إشعال أزمة جديدة.
الجدل الأخير حول قرار هيئة الدواء المصرية بتنظيم وترخيص ما يعرف بالتركيبات الصيدلانية الدستورية المعقمة لم يكن استثناء من هذا النمط، بل جاء امتدادا لسلسلة طويلة من الاعتراضات التى تشهر فيها غرف وشعب تجارية محسوبة على الصيادلة سكاكين الرفض فى مواجهة أى محاولة رسمية لإعادة ترتيب سوق يتداخل فيه المهنى بالتجاري، والعلاجى بالربحي.
أكد الدكتور على الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، أنه سيتم عقد اجتماع موسع مع ممثلى نقابة الصيادلة والنقابات الفرعية لشرح القرار والإجابة عن أى تساؤلات أو لبس أُثير حوله، فى خطوة تعكس حرص الهيئة على الحوار المباشر والشفاف قبل أى تطبيق فعلي.
وأوضح الغمراوى أن القرار يختص بتنظيم ما يعرف بالـ Compounding Pharmacy أو التركيبات الصيدلانية المعقمة، وهى مختلفة تمامًا عن التركيبات العادية غير المعقمة التى تُمارس داخل الصيدليات المرخصة وفق القانون، مؤكدًا أن قانون مزاولة مهنة الصيدلة الصادر عام 1955 يلزم الصيدليات بثلاثة دفاتر فقط: دفتر المخدرات ودفتر المساهارات و دفتر التركيبات غير الخطيرة وغير العقيمة، مشددا على أن هذه التركيبات التقليدية مستمرة دون أى رسوم أو تراخيص إضافية ولا يشملها القرار الجديد.
وأوضح الرئيس أنه فى بعض الحالات المرضية يحتاج المرضى إلى جرعات دوائية غير متوافرة بالسوق، مثل دواء متوافر بتركيز 25 أو 50 ملليجرام بينما تتطلب الحالة 37.5 ملليجرام، وهنا يأتى دور التركيبات الدستورية المعقمة. وأضاف أن تحضير هذا النوع من التركيبات لا يتم داخل صيدلية عادية، بل يتطلب معملًا متخصصًا بمواصفات صارمة توازى مصنعًا دوائيًا صغيرًا، مع درجات تعقيم عالية وتجهيزات دقيقة، لإنتاج دواء آمن بجرعة محددة وفق وصفة طبية، موضحا أن الهيئة وضعت آلية ترخيص واضحة لهذه المعامل، مع رقابة مباشرة ودورية، وأن عدد الجهات المؤهلة سيكون محدودًا للغاية.
ورغم هذا الطرح التفصيلي، تصاعدت موجة الاعتراض، حيث لم يكتفِ الصيادلة بتحريك تجار شعبهم وغرفهم، بل سعوا أيضًا لتحريك بعض البرلمانيين، وهو ما تجسد فى طلب الإحاطة الذى تقدمت به إحدى النائبات، مطالبة الحكومة بتوضيح الأساس القانونى للقرار وضمان عدم تحميل الصيادلة أى أعباء مالية جديدة.
وفى المقابل، لا ينفى ذلك وجود صيادلة مهنيين حريصين على المريض والمهنة معًا، إلا أن صوتهم غالبا ما يغيب وسط ضجيج لوبى الضغط، الذى يُحوّل كل نقاش تنظيمى إلى معركة وجود، ويُفرغ فكرة التنظيم نفسها من مضمونها، قبل اختبار أثرها الحقيقي.
ويبقى السؤال مطروحا: هل يظل تنظيم سوق الدواء رهينة لاعتراضات لا تهدأ، أم ينجح الجميع فى الفصل بين الدفاع المشروع عن المهنة، وبين مقاومة أى محاولة لضبط سوق يمس حياة الملايين.