رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

ونس الدكة

من يريد أن يتبع الحق فليأتِ مهرولًا، فمنذ زمنٍ الجرح لم يتطهر.. تكاثرت عليه قرح حواة السلطان ومزيفى التاريخ، فظل مفتوحًا ينزف ليومنا هذا، ملل ونحل.. شيعة وسنة.. دروز وعلويون..
تمسك رواية "ظل الإمام" للكاتبة نهلة النمر بلفائف الجرح بحرص شديد.. تريد تعريته لمعرفة أصل الداء.. ومع كل لفافة تسقط تقترب أكثر من مصب الألم ومواضع نخره فى أرواح آل بيت سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قبل أجسادهم.
أول الجرح مدينة الكوفة العراقية قبيل عام أربعين هجريًا.. العام الذى اغتيل فيه الإمام على بن أبى طالب بخنجر مسموم على يد الرافض عبدالرحمن بن ملجم فى مسجد الكوفة.. كنتيجة حتمية لصراع بدأ مبكرًا فى موقعة صفين والجمل بين إقامة العدل والمساواة، وبين الجور وحب الدنيا وجاهها، بين صراع لتطبيق الحكم الإلهى بأن يكون الأمر شورى بين المسلمين وبين ملك عضود يريد أن يعوض بالسلطة بنى أمية ما فقدته من شرف النبوة لبنى هاشم.
فكل قارئ لرواية ظل الإمام هو فى الحقيقة ظل جديد لسالم الراوى القابع خلف نور الإمام على بن أبى طالب، يرى الأحداث من مسافة طمأنينة.. فجاءت شهادته أقرب لحقيقة ما حدث.. فسالم لم يدعِ البطولة ولم يتملكه الهوى، بل تسلل إلى قلبه قبل عقله يقين الحق الذى حمله الإمام على بن أبى طالب على كاهله هو وآل بيت النبوة وجاهروا به ودافعوا عنه فى وجه بنى أمية ورأس حربتها معاوية بن أبى سفيان.. لم يلبس الإمام على وبنوه رداء القداسة، ولم يبايع على عصمتهم من الخطأ.
أيضًا لم يصدر سالم الراوى أحكامًا قاطعة، فهو كما أرادته الكاتبة شاهدًا كاتبًا لنبض بيت النبوة، ينقل لك دون أن يتدخل تقريرًا وافيًا عن حواريى الإمام.. وتباين موقفهم بين الزاهد فى حياته، مقدمها بسخاء دفاعًا عن تمكين العدل وبين طامع فى ذهب معاوية وملكه، وبين الفريقين من يلعن بنى أمية فى الصباح ويرسل أختام المبايعة للشام فى المساء. هكذا وصف سالم الراوى مدينة الكوفة يوم قتل الإمام على.. يمتزج هواؤها برائحة الغدر والولاء معًا.
يقف سالم راوى الحديث عن الإمام على وبنيه على حافة زمن مضطرب ليس بوصفه بطلًا للرواية، ولكن من موقع الظل الكاشف للضوء. موقعه هنا على الهامش جعله يستمع أكثر مما يتحدث، ويكتب أكثر مما يحكى. باطنه ممتلئ بحكايات القسط المنقوص.. فاستقر منطقه أنه ليس كل من أتى الإمام وبنيه جاء بقلب سليم.
يتسلل نَفَس الكاتبة نهلة النمر هادئًا مع الأحداث فى إيقاع بطىىء لا ينشغل بتوقيتات الزمن.
يستشعره القارئ سريعًا، فعلى الرغم من أن الكاتبة سبرت أغوار آلاف الصفحات القابعة فى عشرات المصادر التاريخية التى تناولت مقاتل الطالبيين إلا أنها لا تصادر فكرك ولا تجعلك تقتنع بما اقتنعت هى به.. أو ما اقتنع به سالم.. ذلك الغلام الذى لم يبرح حلمها حتى كتبته.
هنا سيتوقف القارئ طويلًا أمام لغة الرواية القابعة فى المنتصف بين الشعر والسرد.. لغة تحمل قاموسًا خاصًا لا يملك مفاتيحه وأسراره سوى سالم الراوى، فهو ينحت مصطلحاته بمداد دم مذبحة كربلاء التى أذهبت عقله فى تيهه لسنوات قبل أن يسترد نفسه بالرضا، فجاءت الجمل قصيرة مضطربة ولكنها موحية بأنها مرت على قلب بشر. شهدت عيناه سهم الغدر يخترق عنق الرضيع عبدالله بن الحسين بن على بن أبى طالب قبل أن يذبح أبوه وتجتز رأسه الشريفة فى معركة دارت رحاها لتحقيق عدل مفقود إلى يومنا الراهن.

أخيرًا و..
من وجهة نظرى أن أجمل ما فى هذا السرد البديع "ظل الإمام" للكاتبة نهلة النمر أنها استطاعت أن تحرك الراكد فى عقلك لتبدأ رحلتك الخاصة مع سالم الذى يخصك فترجع إلى مبتدأ الحكاية من جديد، فتعرف من موقع الظل حقيقة النور.