مراجعات
على مدار أيام من الاحتجاجات الشعبية، يبدو المشهد الإيراني، متوقفًا عند تقاطعات معقَّدة، ما بين أزمة داخلية حقيقية، لا يمكن إنكارها، وضغوط خارجية مزمنة، تتخذ شكلًا أكثر حِدَّة وتنظيمًا.
ما تشهده الساحة الإيرانية، لا يمكن قراءته بسطحية، أو اختزاله في مشاهد احتجاجية، أو توترات أمنية، ناجمة عن تفاعل طويل بين اختلالات داخلية مبرَّرة، ومؤامرة خارجية مقرَّرة، تسعى لاستثمار هذه الأزمات، لإضعاف الدولة واستنزافها.. أو سقوطها.
يقينًا، لا يمكن إنكار أن الداخل الإيراني «يغلي»، إذ يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية، حادَّة ومتراكمة، تفاقمت بفعل تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم، وضغوط البطالة، والتفاوت الطبقي الذي بات أكثر وضوحًا.
تلك الأزمات وغيرها، شكَّلت بيئة خصبة وحاضنة للاحتقان الشعبي، أنتجت مطالب مشروعة في جوهرها، تتعلق بتحسين شروط الحياة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتوسيع هوامش المشاركة السياسية، غير أن مشروعية المطالب لا تعني بالضرورة براءة المسار الذي تُدفع إليه، ولا نيَّات الأيدي التي تسعى لتوجيهها.
وبالحديث عن العامل الخارجي، بوصفه عنصرًا حاسمًا في فهم المشهد الأكثر تعقيدًا، نلاحظ أنه منذ العام 1979، تخضع إيران لحصار اقتصادي خانق، بدأ عقب الثورة الإسلامية، وتحوَّل بمرور السنين، إلى منظومة متكاملة من العقوبات الأمريكية والغربية، استهدفت قطاعات الطاقة، والمصارف، والتجارة، والتكنولوجيا، وحتى الدواء والغذاء.
هذا الحصار «الجائر» لم يكن يومًا أداة ضغط أخلاقي من أجل «حقوق الإنسان» أو «حقوق المرأة»، كما يُروَّج في الإعلام الموَجَّه، بل وسيلة حقيرة، لإضعاف كيان الدولة، وإرهاق المجتمع، ودفعه إلى حالة من الإنهاك البنيوي طويل الأمد.
بالطبع، لا يمكن إغفال الدور الأمريكي الخبيث، بوصفه المحرك الرئيسي لهذه السياسة، ولا الدور «الصهيوني» القذر، الذي يرى في أي دولة إقليمية تبدو قوية ومتماسكة، تهديدًا مباشرًا لمشروعه الاحتلالي والتوسعي.
إن ما يمارسه الغرب من ضغوط اقتصادية على طهران، تتزامن مع حرب ناعمة مكثفة، سواء أكانت في إعلام مُوَجَّه، أو مِنَصَّات رقمية، أو تمويل منظمات، أو تضخيم انتقائي للأحداث، بهدف تأجيج الغضب، وتحويل الاحتجاجات من وسيلة ضغط إصلاحية إلى أداة للفوضى.. وصولًا إلى إسقاط النظام.
لعل ما يزيد الأمر تعقيدًا، هو تنامي شبكات الجواسيس والعملاء، والعناصر المرتبطة بالخارج، والجماعات التي ترى في انهيار الدولة فرصة سياسية أو أيديولوجية.. وهؤلاء لا يصنعون الأزمة، لكنهم يوسِّعونها، ويدفعونها نحو مسارات تخدم أجندات خارجية، لا تمت بصلة لمصالح الشعب الإيراني، أو لمعاناته الفعلية.
أخيرًا.. ما يحدث في إيران ليس انفجارًا عفويًّا معزولًا، ولا مؤامرة خارجية بالكامل، ولكننا من منظورٍ براجماتي، عروبي، إسلامي، لا يمكن فصل الدفاع عن استقرار إيران وأمنها، عما تبقى من توازن بالشرق الأوسط، في ظل انبطاح النظام العربي الرسمي، لأن البديل في طهران سيكون نظامًا صديقًا لـ«الصهيونية»، يخدم مشروع التقسيم الأمريكي للمنطقة.
فصل الخطاب:
يقول الفيلسوف الإيطالي «أنطونيو جرامشي»: «العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد لم يُولد بعد.. وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش».