يأتي مهرجان المسرح العربي، الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليؤكد وفاءه لرموز وقامات المسرح العربي، من خلال تكريم عدد من رواد هذا الفن، وكان من بينهم الدكتور عبد الرحمن عرنوس، الذي يستحق التكريم عن جدارة. ويُحسب للمهرجان أنه التفت إلى هذا الاسم الكبير واحتفى به بما يليق بقيمته الفنية والفكرية، فهو أحد الذين أثروا المسرح المصري والعربي بأعمالهم وتجاربهم ورؤاهم المتجددة.
لم يكن الدكتور عبد الرحمن عرنوس مجرد أكاديمي أو منظر مسرحي، بل كان فناناً حقيقياً منغمسًا في هموم الناس وحياتهم اليومية. كوّن مع مجموعة من الصيادين فرقة أولاد البحر، التي قدمت تجربة مسرحية شديدة الخصوصية، مزجت بين عروض المسرح وفنون السمسمية، وخرجت بالفن من القاعات المغلقة إلى المدارس والساحات الشعبية، بل تجاوز ذلك إلى دور إنساني بالغ التأثير، حين أقام حفلات أفراح للمهجّرين من مدن القناة، إيماناً منه بأن المسرح يمكن أن يكون فعل فرح ومقاومة في آن واحد.
وعندما توفي الرئيس جمال عبد الناصر، لم يكن عرنوس بعيداً عن الحدث، بل اجتمع مع فرقته، وكتب متفاعلاً بصدق بأغنية الوداع يا جمال يا حبيب الملايين
في تعبير واضح عن ارتباط الفن لديه بالقضايا الوطنية والوجدان.
ويُعد الدكتور عبد الرحمن عرنوس من أبرز من وضعوا أسس تدريب الممثل في المسرح العربي، إذ أسهم بفكره ومنهجه في بناء أجيال متعاقبة من الفنانين، وترك أثراً واضحاً في حركة المسرح العربي، أكاديمياً وتطبيقياً. وقد عرفته عن قرب، إذ كان جارا لنا يسكن في العمارة المجاورة. كثيراً ما كنت أراه يضع يده في جيبه، ويقف متأملاً الناس وسط زحام السوق، يراقب الوجوه والحركات والتفاصيل الصغيرة، وكأنه يجمع مادة خام لكتابة مسرحية
كنت أحب الحديث معه، فيحكي لي عن ذكرياته في بورسعيد، وعن تلاميذه المنتشرين في أنحاء العالم العربي. وكان يحمل حباً خاصاً للدول التي نقل إليها تجربته المسرحية، حيث وجد فيها عشقاً حقيقياً للفن المصرى وتقدير لأبحاثه، واحتفاءً صادقاً بالتجديد الذي أضافه إلى المسرح العربي.
كان الدكتور عرنوس إنساناً زاهداً، لا يعنيه المال ولا الجاه، بقدر ما تسعده أن يكون له تلاميذ يحملون فكره ويواصلون رسالته، كثيراً ما كان يسير في الشارع أو في أي مكان عام، فيستوقفه شاب ليقول له: أنا تلميذك، تعلمت قيمة المسرح من منهجك. عندها فقط كان يبدو عليه الرضا الحقيقي، لأنه كان يرى في هؤلاء التلاميذ امتداداً حياً لتجربته.
ومن هنا، فإن تكريمه في مهرجان المسرح العربي خطوة مهمة، لكنها يجب ألا تكون النهاية، أتمنى، بل أرى أنه حق مستحق، أن تبادر وزارة الثقافة أو مهرجان المسرح العربي بإطلاق جائزة تحمل اسم الدكتور عبد الرحمن عرنوس، تُمنح للمبدعين في مجالات التدريب المسرحي وتجديد لغة العرض، وهي المجالات التي أفنى عمره فيها علماً وتطبيقاً كما أن إعادة طباعة كتبه وأبحاثه أصبحت ضرورة ثقافية، حتى تعود أفكاره إلى أيدي طلاب المعاهد المسرحية والفنية، والمخرجين الشباب، والباحثين، وتبقى تجربته حاضرة وفاعلة.
إن تكريم الدكتور عبد الرحمن عرنوس ليس مجرد احتفاء بشخص، بل هو تكريم لقيمة المسرح ذاته، ولدور الفنان المثقف الذي آمن بأن الفن رسالة، وبأن الإنسان هو جوهرها. وأتمنى كذلك أن تبادر ثقافة بورسعيد بإقامة مهرجان مسرحي يحمل اسمه، يليق بتاريخ هذا المبدع الكبير، ويخلد أثره في مدينته التي كانت دوماً جزءاً أصيلاً من روحه وتجربته.