رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

تحايل على القانون ونهب للمال العام:

معاش على «ورقة طلاق»

بوابة الوفد الإلكترونية

 

 

زوجات يحصلن على الطلاق الرسمى ويعدن لأزواجهن بـ«ورقة عرفى» للحصول على معاش الوالد

علماء الدين والاجتماع يحذرون: «طلاق المعاش» حرام شرعاً وجريمة أخلاقية وقانونية

الدكتور يحيى المنسى: فساد أخلاقى ونصب على الدولة

إبراهيم سليم: قوامة الرجل فى خطر

الدكتورة سامية خضر: تجارة تهدد الأسرة وتفكك القيم المجتمعية

مسئول بـ«التأمينات»: نواجه بكل حزم محاولات التحايل والنيابة تحقق فى الوقائع لاستعادة الأموال المنهوبة

 

فى مجتمعات اعتادت النظر إلى الطلاق باعتباره نهاية مؤلمة لعلاقة إنسانية، بدأت تتسلل خلال السنوات الأخيرة ظاهرة غريبة تُعيد تعريف الانفصال الزوجى بوصفه وسيلة تحايل لا أكثر، إذ لم يعد الطلاق نتيجة خلافات أسرية أو استحالة استمرار الحياة المشتركة، بل تحوّل فى بعض الحالات إلى إجراء شكلى يُستخدم للوصول إلى معاش الوالد المتوفى، فى ممارسة تضع القانون والدين والأخلاق أمام اختبار صعب.

هذه الظاهرة، التى يطلق عليها اجتماعياً «طلاق المعاش»، تقوم على سيناريو بالغ الدقة: طلاق موثق رسمياً يتيح للزوجة استعادة صفة «غير المتزوجة» قانوناً، يعقبه التقدم للحصول على معاش الأب، ثم عودة غير معلنة للحياة الزوجية عبر عقد عرفى لا تراه الجهات الرسمية.

الخطورة لا تكمن فقط فى التحايل على منظومة التأمينات الاجتماعية، بل فى الآثار المركبة التى تخلّفها هذه الظاهرة؛ والتى تحول الزواج إلى علاقة بلا ضمانات، وتفتح الباب أمام إهدار حقوق المرأة والأبناء، فضلاً عن استنزاف أموال خُصصت فى الأصل لحماية الفئات الأضعف فى المجتمع.

أكل المال العام

وفى ظل تصاعد الجدل المجتمعى حول ما يُعرف بظاهرة «طلاق المعاش»، حذّر الدكتور يحيى المنسى، أحد علماء وزارة الأوقاف، من خطورة هذه الممارسات، مؤكداً أنها تمثل سلوكاً اجتماعياً منحرفاً ومحرماً شرعاً، فضلاً عن كونها صورة صريحة من صور التحايل على الدولة وأكل المال العام بغير وجه حق.

وأوضح «المنسي»، فى حديثه لـ«الوفد»، أن لجوء بعض السيدات إلى طلب الطلاق من أزواجهن بهدف استحقاق معاش الوالد المتوفى، ثم العودة مجدداً للزوج بعقد عرفى غير موثق، يُعد أمراً مرفوضاً جملة وتفصيلاً من الناحيتين الدينية والعقلية، مشدداً على أن هذه الممارسات تُفرغ مؤسسة الزواج من معناها الحقيقى، وتحول الطلاق من تشريع استثنائى لعلاج المشكلات الأسرية إلى وسيلة لتحقيق مكاسب مادية غير مشروعة.

وأشار العالم بوزارة الأوقاف إلى أن الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط واضحة وصارمة فيما يتعلق بالمال، مؤكداً أن من يتعمد أكل المال الحرام فإن عمله لا يُقبل أربعين يوماً، وفقاً لما ورد فى السنة النبوية، محذراً من التهاون فى التعامل مع أموال ليست من حق أصحابها.

وأضاف أن المؤمن الحق سيُسأل يوم القيامة عن أربعة أمور رئيسية، من بينها المال، «من أين اكتسبه وفيم أنفقه»، لافتاً إلى أن التحايل للحصول على معاش دون وجه حق يضع صاحبه تحت طائلة المساءلة الشرعية قبل أى محاسبة قانونية.

وأكد «المنسي» أن تفشى ظاهرة «طلاق المعاش» لا يقف عند حدود المخالفة الدينية فقط، بل يمتد ليُحدث آثاراً سلبية عميقة على النسيج الاجتماعى، إذ يُسهم فى زعزعة السلم المجتمعى، ويُقوض استقرار الأسرة المصرية دينياً وأخلاقياً، خاصة مع انتشار عقود الزواج العرفى غير الموثقة، وما يترتب عليها من ضياع للحقوق وتشابك فى الأنساب والميراث.

وشدد على أن استمرار هذه الظاهرة يُنذر بتداعيات خطيرة، داعياً إلى تكاتف الجهود بين المؤسسات الدينية والإعلامية والاجتماعية لتوعية المواطنين بخطورة هذا السلوك، والتأكيد على أن المال العام أمانة، وأن التحايل عليه جريمة أخلاقية ودينية وقانونية.

إساءة

ومن جانبه، شدد إبراهيم سليم، رئيس صندوق المأذونين، على أن المأذون الشرعى لا يجوز له قانونًيا أو أخلاقياً تحرير أى عقد زواج عرفى غير موثق، مؤكداً أن الزج باسم المأذونين فى مثل هذه الممارسات يُعد إساءة مباشرة للمهنة ورسالتها، التى تقوم فى الأساس على توثيق العلاقات الزوجية، وحفظ الحقوق، وحماية كيان الأسرة، لا التحايل على القانون أو الالتفاف على أحكامه.

وأوضح «سليم» أن ما يُعرف بـ«طلاق المعاش» أسهم بشكل ملحوظ فى ارتفاع معدلات الطلاق داخل المجتمع، لافتاً إلى اعتماد الزوجة على معاش والدها – بعد الطلاق الصورى – للإنفاق على منزل الزوجية لا يهدد فقط استقرار الأسرة، بل يُضعف قوامة الرجل ويُخلّ بتوازن العلاقة الزوجية، حيث يتحول الزواج إلى علاقة قائمة على منافع مادية مؤقتة، بدلاً من أن يكون شراكة قائمة على التكافل والرحمة والالتزام المتبادل.

وأشار رئيس صندوق المأذونين إلى أن الزواج العرفى لا يضمن للزوجة أى حماية قانونية، ويجعل موقفها هشاً ومهدداً فى أى لحظة، خاصة فى حال الإنكار أو نشوب خلافات زوجية.

وأكد «سليم» أن هذه الممارسات تؤدى إلى انتشار أنماط من العلاقات الزوجية غير المستقرة، وصفها بأنها «زيجات فاشلة من حيث المضمون»، لا توفر الأمان النفسى أو الاجتماعى، ولا تحفظ حقوق الزوجة أو الأبناء، سواء على مستوى النفقة أو الميراث أو إثبات النسب.

وأوضح أن الزوجة فى هذه الحالة لا تمتلك وثيقة رسمية تحمى حقوقها القانونية، ما يجعل الحياة الزوجية برمتها عرضة للانهيار فى أى وقت، ويضاعف من المشكلات الاجتماعية والقانونية التى تتحمل الدولة والمجتمع تبعاتها لاحقاً.

واختتم رئيس صندوق المأذونين حديثه بالتأكيد على أن مواجهة ظاهرة «طلاق المعاش» تتطلب تشديد الرقابة القانونية، وتكثيف التوعية الدينية والمجتمعية بخطورة التحايل على القانون، محذراً من أن السعى وراء مكاسب مالية مؤقتة قد يكلّف الأسرة والمجتمع ثمناً باهظاً على المدى البعيد، ويفتح الباب أمام تفكك اجتماعى يصعب احتواؤه.

تجارة تهدد الأسرة

من ناحية أخرى أكدت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، أن المجتمع المصرى يشهد خلال الآونة الأخيرة بروز أنماط سلوكية جديدة لا تستهدف الاستقرار الأسرى بقدر ما تسعى إلى تحقيق مكاسب مالية، فى مقدمتها ظاهرة «طلاق المعاش»، التى وصفتها بأنها واحدة من أخطر الممارسات الاجتماعية الدخيلة على منظومة القيم الأسرية والدينية.

وأوضحت «خضر»، فى حديثها لـ«الوفد»، أن بعض الحالات الزوجية باتت تتعامل مع الزواج والطلاق باعتبارهما وسيلة لتحصيل أموال، وليس رباطاً إنسانياً يقوم على المودة والرحمة، مشيرة إلى أن هذه السلوكيات نتاج مباشر لغياب الوعى المجتمعى، وتراجع القيم الأسرية والدينية والأخلاقية، إلى جانب تدنٍ ملحوظ فى الفكر وطريقة التعامل مع متغيرات الحياة.

وشددت أستاذ علم الاجتماع على أن لجوء الزوجة إلى ترك زوجها أو التفريط فى كيان الأسرة من أجل الحصول على معاش الوالد يمثل خللاً خطيراً فى ميزان القيم، مؤكدة أن هذه الخطوة قد تحمل عواقب وخيمة لا تُحسب بدقة، إذ ربما لا تتمكن الزوجة من العودة إلى زوجها مرة أخرى، أو قد يستغل الزوج هذا الطلاق كفرصة للتخلص من العلاقة الزوجية حال وجود خلافات سابقة، ما يؤدى فى النهاية إلى تفكك الأسرة وضياع الأبناء.

وأضافت أن هذه الممارسات لا يمكن النظر إليها باعتبارها «حلولاً مؤقتة» للأزمات الاقتصادية، بل هى فى جوهرها تجارة غير مشروعة، تقوم على تحصيل أموال غير مستحقة، وتندرج ضمن أنماط التحايل التى تضر بالمجتمع والدولة معاً، فضلاً عن آثارها النفسية والاجتماعية العميقة على الزوجة والأبناء.

وأكدت «خضر» أن العلاقة الزوجية فى أصلها رباط مقدس وميثاق غليظ، لا يجوز العبث به أو تحويله إلى أداة لتحقيق مصالح مادية، محذرة من أن انتشار هذه السلوكيات يؤدى إلى تهديد كيان الأسرة، وهدم أخلاقياتها، وإضعاف مفهوم الالتزام والمسئولية داخل المجتمع.

ولفتت أستاذ علم الاجتماع إلى الدور الخطير الذى تلعبه بعض الأعمال الدرامية والسينمائية فى التطبيع غير المباشر مع مثل هذه الممارسات، مشيرة إلى أن تقديم نماذج درامية تُصور التحايل أو تعدد العلاقات الزوجية بشكل ساخر أو جذاب قد يرسخ هذه آلافكار لدى قطاعات من الجمهور، خاصة أن الإنسان بطبيعته كائن مقلد يتأثر بما يشاهده ويتلقاه عبر وسائل الإعلام.

ودعت «خضر» إلى ضرورة تكثيف الحملات التوعوية والإعلامية التى تشرح خطورة هذه الظواهر على الأسرة والمجتمع، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الدينية والتعليمية فى تصحيح المفاهيم المغلوطة، وترسيخ قيم الاستقرار الأسرى والمسئولية المشتركة بين الزوجين.

واختتمت أستاذ علم الاجتماع حديثها بالتأكيد على أن مواجهة «طلاق المعاش» لا تقتصر على الإجراءات القانونية فقط، بل تتطلب مقاربة اجتماعية وثقافية شاملة، تعيد الاعتبار لقيمة الأسرة، وتحمى المجتمع من الانزلاق نحو أنماط سلوكية تهدد تماسكه واستقراره على المدى البعيد.

رقابة

وفى إطار جهود الدولة لحماية المال العام وضمان وصول المعاشات إلى مستحقيها الحقيقيين، كشفت هيئة التأمينات الاجتماعية عن آليات رقابية وقانونية مشددة للتصدى لظاهرة التحايل على استحقاق معاش الوالد

وقال مصدر مسئول بهيئة التأمينات الاجتماعية، رفض ذكر اسمه، فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»، إن الهيئة تتعامل بجدية كاملة مع أى محاولات للتحايل أو التلاعب فى بيانات مستحقى المعاش، مؤكداً أن هناك منظومة متابعة مستمرة يتم تنفيذها بالتنسيق مع عدد من الجهات المعنية، على رأسها مصلحة الأحوال المدنية، للتحقق من الموقف الاجتماعى والقانونى لمستحقى المعاش.

وأوضح المصدر أن الهيئة تقوم من فترة لآخرى بالتحرى عن بيانات المستفيدين، للتأكد مما إذا كانت المستحقة ما زالت غير متزوجة، أو مطلقة بالفعل، أو لديها أبناء، مشيراً إلى أن هذه المراجعات أسفرت عن اكتشاف عدد كبير من الحالات التى حصلت على معاش الوالد دون وجه حق، وتم على الفور وقف الصرف عنها.

وأشار إلى أن بعض الحالات تلجأ إلى الطلاق الصورى من أجل استحقاق المعاش، ثم تعود للزوج بزواج عرفى غير موثق، وهو ما يمثل تحدياً رقابياً، موضحاً أن الهيئة فى مثل هذه الحالات لا تعتمد فقط على وثيقة الزواج، وإنما يتم اكتشاف  الأمر غالباً من خلال بيانات الأبناء المسجلة فى الأحوال المدنية، والتى تكشف استمرار العلاقة الزوجية بشكل غير مباشر.

وأضاف المصدر أن الهيئة، فور التأكد من وجود تحايل أو تلاعب فى استحقاق المعاش، تقوم باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، والتى تبدأ بإيقاف الصرف فوراً، وإبلاغ النيابة العامة والجهات المختصة، مع العمل على استرداد كامل المبالغ التى تم صرفها بغير حق خلال فترة المخالفة، باعتبار ذلك اعتداءً صريحاً على المال العام.

وأكد أن الهيئة لا تتهاون فى مثل هذه القضايا، خاصة أن أموال المعاشات موجهة بالأساس للفئات الأولى بالرعاية، وأى تحايل فى هذا الملف يحرم مستحقين حقيقيين من حقوقهم، ويُثقل كاهل منظومة التأمينات.

وفيما يتعلق بضوابط استحقاق معاش الوالد، أوضح المصدر أن البنت غير المتزوجة أو السيدة المطلقة رسمياً تُعد من الفئات المستحقة للمعاش وفقاً للقانون، طالما لم تتزوج مرة أخرى، أما فى حالة الزواج، يسقط عنها الحق فى المعاش، ألا فى حالات محددة ينظمها القانون.

وأشار إلى أن الابن الذكر يستحق معاش الوالد مناصفة مع شقيقته فى حالة عدم بلوغه سن 21 عاماً وعدم التحاقه بعمل، موضحاً أن مدة الاستحقاق تمتد حتى سن 24 عاماً فى حالة الحصول على مؤهل متوسط، وحتى 26 عاماً فى حالة المؤهل العالى، على أن يسقط المعاش عنه فور التحاقه بعمل أو تجاوزه السن القانونية، وفى هذه الحالة تحصل البنت على ثلثى قيمة المعاش.

وأضاف أن البنت إذا كانت تعمل وتتقاضى أجراً يزيد على قيمة معاش الوالد، فلا يحق لها صرف المعاش، أما إذا كان أجرها أقل، فيُصرف لها جزء من المعاش بما يُكمل الفارق، وفقاً لما ينظمه القانون.

وشدد المصدر على أن هذه الضوابط تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان عدم الجمع بين دخل مرتفع ومعاش لا يُستحق، مؤكداً أن الهيئة تعمل باستمرار على تحديث قواعد البيانات وربطها إلكترونياً مع الجهات المختلفة، بما يحد من فرص التحايل ويعزز كفاءة الرقابة.

واختتم المصدر تصريحاته بالتأكيد على أن مواجهة ظاهرة «طلاق المعاش» لا تقتصر فقط على الإجراءات القانونية، بل تتطلب وعياً مجتمعياً ودينيا، بدور المعاش كشبكة أمان اجتماعى، وليس باباً للتحايل أو الكسب غير المشروع، محذراً من أن أى محاولة للالتفاف على القانون ستواجه بحسم كامل حفاظاً على المال العام وحقوق المستحقين الحقيقيين.