في خضم الجدل المحتدم حول منطقة الشرق الأوسط، لا تبدو مصر دائمًا في الإعلام الهولندي دولةً قائمة بذاتها، بقدر ما تظهر بوصفها عنصرًا وظيفيًا داخل صراعات إقليمية تمتد على خطوط تماس دولية. فهي لا تتصدر المشهد بوصفها فاعلًا مُستقلًا، لكنها حاضرة دومًا في الخلفية، كحلقة وصل، أو كعقبة، أو كطرف يُنتظر منه أن يؤدي دورًا محددًا سلفًا. تكرار هذه الصورة يكشف أكثر مما يُخفي عن طريقة نظر الصحافة الهولندية إلى مصر، وإلى المنطقة بأكملها.
أكثر ما يلفت الانتباه في التغطية الهولندية حاليًا هو محاولة اختزال الدور المصري في معبر رفح. فالمعبر لا يُنظر إليه كملف سيادي معقد تحكمه اعتبارات أمنية وديموغرافية وسياسية، بل يُختزل في أداة اختبار لمدى فهم القاهرة للشرك الذي سعت إسرائيل لإيقاع مصر بداخله. فتح المعبر يُصوَّر كدليل إنساني، وإغلاقه كإدانة سياسية، دون مساءلة حقيقية لطبيعة المخاطر التي قد تترتب على أي قرار مُتسرع. هذا التبسيط الأخلاقي يريح الضمير الأوروبي، لكنه لا يفسر الواقع.
وحين تنتقل غالبية الصحافة الهولندية ذات التوجه اليميني إلى الداخل المصري، فإنها تعتمد إطارًا شبه ثابت يربط بين الاستقرار السياسي وتوجيه انتقادات تبدو وكأنها لحساب الطرف الإسرائيلي ومصلحته. هذا الطرح، الذي لا يخلو من انتقادات مُبطنة ، يتحول في كثير من الأحيان إلى عدسة جاهزة تُفسَّر من خلالها السياسة الخارجية المصرية على أهواء تتسم بالانحياز. وكأن مصر لا تتخذ مواقفها الإقليمية بناءً على حسابات القوة والمصلحة الوطنية، هنا يُختزل المعقّد في سردية واحدة، وتُغلق أبواب الفهم الأعمق.
اللافت أن الحسابات الأمنية المصرية لا تحظى بالمساحة التي تستحقها في التحليل الإعلامي الهولندي. فسيناء لا تظهر إلا كاسم عابر، واحتمالات تدفق مئات الآلاف من اللاجئين ومحاولة تهجير اسرائيل للفلسطينيين لا تُناقَش بجدية، وخطر انتقال الفوضى إلى الداخل المصري يُتعامل معه بوصفه احتمالًا نظريًا لا تهديدًا واقعيًا. في المقابل، تُمنح الاعتبارات الأمنية الأوروبية دائمًا موقع الصدارة، ويُنظر إليها بوصفها مبررًا كافيًا لتشديد السياسات والحدود.
وتتجلى المفارقة الكبرى في محاولات كثيرة لتصوير مصر كشريك صامت للغرب،لكنها في الوقت نفسه تُعدّ عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه في حسابات أوروبا. أمن المتوسط . . وقف الهجرة غير النظامية . . حماية قناة السويس . . وضمان تدفق الطاقة، كلها ملفات تجعل من استقرار مصر مصلحة أوروبية مباشرة. ومع ذلك، نادرًا ما تُطرح أسئلة جدية حول حدود الخطاب الأخلاقي حين يتعارض مع هذه المصالح.
الأكثر إشكالية هو غياب الصوت المصري عن هذا السجال الإعلامي. فالقارئ الهولندي نادرًا ما يطّلع على وجهة نظر دبلوماسي أو باحث مصري يشرح منطق القرار المصري بلغة هادئة ومباشرة. مصر تُناقَش، تُنتقد، وتُحلَّل، لكنها لا تُستضاف، وبهذا تتحول من فاعل إقليمي له منطقه الخاص إلى موضوع نقاش أوروبي يُدار من خارجها.
في المحصلة، لا يمكن القول إن الإعلام الهولندي يتعامل مع مصر بعدائية مطلقة، لكنه يتعامل معها بانتقائية واضحة. يعترف بأهميتها، لكنه يجرّدها من حقها في التعقيد. يطالبها بدور حاسم، لكنه لا يمنحها مساحة الاختيار. وبين أخلاقية الخطاب وواقعية السياسة، تبقى صورة مصر في الصحافة الهولندية صورة ناقصة، تعكس قلقًا أوروبيًا من الشرق الأوسط أكثر مما تعكس فهمًا حقيقيًا ل