رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

عندما يصبح العقل مكشوفًا.. أين تقف الخصوصية؟

بوابة الوفد الإلكترونية

في كل دورة من معرض الإلكترونيات الاستهلاكية CES، يظهر دائمًا جهاز أو اثنان يعدان بتحسين الصحة النفسية أو تعزيز التركيز والهدوء الذهني. لكن في السنوات الأخيرة، لم يعد هذا التوجه هامشيًا أو تجريبيًا، بل تحول إلى مساحة مزدحمة بالشركات الناشئة والمنتجات التي تراهن على مستقبل تكون فيه مراقبة الدماغ أمرًا يوميًا، تمامًا كما أصبح تتبع نبضات القلب شائعًا عبر الساعات الذكية. السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط إلى أين تتجه هذه الأجهزة، بل ماذا تقدم فعليًا، وأين ينتهي العلم ويبدأ التسويق المبالغ فيه.

لفهم هذه الموجة، لا بد من العودة إلى الأساس العلمي. تخطيط كهربية الدماغ أو EEG هو أداة طبية تُستخدم لقياس النشاط الكهربائي للدماغ. الفكرة ببساطة أن الخلايا العصبية تتواصل عبر إشارات كهربائية، ويمكن رصد هذه الإشارات من خلال أقطاب توضع على فروة الرأس. هذه الإشارات تُصنف غالبًا إلى ما يعرف بموجات الدماغ، مثل جاما المرتبطة بالتفكير المكثف، وبيتا التي تظهر في حالات التوتر أو النشاط العالي، وألفا المرتبطة بالاسترخاء، وثيتا المرتبطة بالإبداع أو الأحلام، ودلتا التي تظهر أثناء النوم العميق.

البروفيسور كارل فريستون، أحد أبرز علماء الأعصاب في العالم وخبير تصوير الدماغ في جامعة كوليدج لندن، يرى أن هذه التقنيات مفيدة في تشخيص مشكلات تتعلق بوظائف الدماغ وبنيته، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أننا ما زلنا بعيدين عن فهم الدماغ بنفس الدقة التي نفهم بها القلب. ورغم بساطة EEG مقارنة بتقنيات أكثر تعقيدًا مثل الرنين المغناطيسي الوظيفي، فإن ميزته الأساسية تكمن في قدرته على العمل في الزمن الحقيقي.

أجهزة EEG الموجهة للمستهلك ليست جديدة كليًا. قبل أكثر من عقد، ظهرت أجهزة تراقب النوم وتوقظ المستخدم في توقيت مناسب من دورة النوم، لكنها كانت تعاني من مشاكل عملية مثل صعوبة ارتدائها أثناء النوم. اليوم، تغير المشهد بفضل الذكاء الاصطناعي وتصغير المكونات، ما فتح الباب أمام استخدامات أوسع مثل واجهات الدماغ والحاسوب، وأدوات التغذية الراجعة العصبية لتحسين التأمل والتركيز.

في CES هذا العام، برزت شركة Neurable كنموذج واضح لهذا التوجه. الشركة عرضت تقنيات تعتمد على EEG لقياس مستوى التركيز والتنبيه المستخدم عندما يبدأ الإرهاق الذهني. اللافت أن Neurable لا تستهدف مجال الصحة النفسية فقط، بل تتعاون مع علامات تجارية في الألعاب الإلكترونية، مستفيدة من رغبة اللاعبين في تحسين سرعة الاستجابة والدقة. خلال عرض عملي، أظهرت الشركة كيف يمكن لتدريب ذهني قصير أن ينعكس مباشرة على الأداء، مع تحسن ملحوظ في زمن رد الفعل ونسبة الإصابة.

الشركة ترى أن الفائدة الحقيقية لهذه الأجهزة تتراكم بمرور الوقت. فكلما تعلم المستخدم الوصول إلى حالة “التركيز الهادئ”، أصبح الحفاظ عليها أسهل. كما تؤكد أن مراقبة تراجع الانتباه ليست رفاهية، بل قد تكون أداة مهمة في تقليل حوادث السير أو الإرهاق المهني في الوظائف الحساسة.

في المقابل، هناك شركات أخرى تتبنى أهدافًا أكثر تخصصًا. MyWaves، على سبيل المثال، تستخدم EEG لتخصيص ملفات صوتية تساعد على النوم عبر محاكاة موجات دلتا الخاصة بالمستخدم. شركات مثل Brain-Life تعمل على عصابات رأس تقيس الحمل المعرفي وقدرة العقل على التعافي، فيما تستكشف شركات أخرى مثل Braineulink استخدام EEG كواجهة للتحكم في الأجهزة عبر التركيز الذهني فقط.

ومع تطور التكنولوجيا، تتجه بعض الشركات إلى دمج EEG في أجهزة أصغر وأكثر اندماجًا في الحياة اليومية. شركة Naox الفرنسية، على سبيل المثال، تعمل على دمج تخطيط الدماغ في سماعات أذن لاسلكية، بهدف مراقبة صحة الدماغ على المدى الطويل، على غرار ما فعلته الساعات الذكية مع تخطيط القلب. هذه الفكرة، رغم طموحها، تثير تساؤلات حول دقة القياس وحدود الاستخدام الطبي.

هنا يبرز التحذير الأهم. انتشار أجهزة EEG القابلة للارتداء قد يدفع بعض المستخدمين إلى استنتاجات خاطئة بشأن صحتهم النفسية أو العصبية. فالتشخيص الطبي لحالات مثل الصرع، على سبيل المثال، يتطلب تسجيلًا طويل الأمد وتحليلًا دقيقًا من مختصين. ويخشى فريستون، مثل كثير من الأطباء، من أن يعتمد المستهلكون على هذه الأجهزة لاتخاذ قرارات طبية دون استشارة خبراء.

في النهاية، يرى فريستون أن أفضل طريقة للتعامل مع أجهزة EEG الاستهلاكية هي النظر إليها كأدوات قياس مساعدة، لا كحلول سحرية. تمامًا مثل ميزان الحرارة المنزلي، يمكنها أن تعطي مؤشرات عامة وتساعد في دعم ممارسات مثل التأمل واليقظة الذهنية، لكنها لا تستطيع تقديم تشخيص أو علاج. وبينما يزداد حضور هذه التقنيات في معارض مثل CES، يبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين الفائدة العلمية والضجيج التسويقي، حتى لا يتحول قياس العقل إلى مجرد موضة تقنية عابرة.