كبسولة فلسفية
هناك لحظات تمرّ بنا يا صديقي كما يمرّ ظلّ طائر فوق نافذة مفتوحة؛ خفيفة، سريعة، تبدو عابرة، لكنها تحمل في داخلها ما هو أعمق مما نتصوّر. المشكلة ليست في اللحظة بل في أعينٍ تتطلّع إلى الغد أكثر مما ترى الحاضر. وأنت تعلم يا عزيزي القارئ أن الفلسفة دائمًا تشير إلى شيء واحد: أن المعنى يسكن في الآن، لا في الأمس ولا في الغد.
نحن نهرب من اللحظة لأننا نخشى مواجهتها. نخشى أن نكتشف أننا عشنا يومًا كاملًا بلا انتباه، بلا دهشة، بلا انتصار صغير. والإنسان حين يفقد دهشة اللحظة يصبح كمن يكرر حياته بدل أن يعيشها. لذلك قالت الفلسفة دائمًا إن الوعي هو فعل إنقاذ... إنقاذ للحياة من الضياع في الزحام.
ولأننا مشغولون طوال الوقت، تمرّ اللحظة التي كان يمكن أن تغيّر مزاجك، أو تمنحك فكرة، أو تعيدك إلى نفسك. كلمة لطيفة لم تنتبه لها. ابتسامة من شخص يحبّك لم تلتقطها. فكرة عابرة ظننتها «تفصيلاً صغيرًا»، ثم اكتشفت أنك تجاهلت ما كان يمكن أن يصبح بداية جديدة. هكذا تخبرنا الحياة كل يوم أن التفاصيل ليست تفاصيل، وأن الفلسفة ليست كلامًا نظريًا، بل دعوة للتوقف كي لا نضيع.
ولحظة الانتباه يا صديقي لا تأتي من تلقاء نفسها؛ إنها موقف فلسفي قبل أن تكون عادة يومية. أن تختار أن ترى، وأن تسمع، وأن تكون حاضرًا. أن تعامل اللحظة كما لو أنها الكنز الذي لا يتكرر. وأن تمنح نفسك حق التباطؤ في عالم يركض بسرعة تُفقد الإنسان نفسه.
حين تنتبه للحظة، تكتشف أنّ كل ما كنت تبحث عنه هناك أمامك: معنى صغير، شعور دافئ، أو إجابة كانت تحتاج فقط إلى أن تنظر إليها. وهنا يصبح الحاضر مساحة للفهم لا مجرد وقت يمرّ. وتصبح أنت أكثر قدرة على رؤية ما هو خلف الضوضاء، خلف العادة، خلف التكرار. وهذا بالضبط ما كان يقصده الفلاسفة حين قالوا إن الوعي ليس معرفة... بل طريقة في النظر.
عزيزي القارئ، اللحظة التي تهرب منك اليوم قد تعود غدًا على هيئة ندم. واللحظة التي تنتبه لها قد تصبح نقطة تحوّل في داخلك. لذلك لا تترك الحياة تمرّ دون أن تعيشها. توقّف – ولو قليلًا – وانظر. قد تجد ما ظننت أنه مفقود منذ زمن.
فاللحظة قصيرة... نعم. لكن حين نراها بوعي، تصبح أوسع من الزمن كلّه.
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]