في مصر، تتآكل المسافة الفاصلة بسرعة بين من كان يصنف ضمن الطبقة الوسطى قبل سنوات قليلة، ومن بات يعيش فعليا اليوم على حافة الهشاشة الاقتصادية، إذ لم تعد أرقام الدخل وحدها كافية لتفسير هذا التحول الدراماتيكي.
كما أن العناوين السياسية لا تستطيع إخفاء هذا التحول، ما يجعل السؤال حول ماهية الطبقة الوسطى اليوم ضرورة ملحة لفهم واقع مجتمعنا، في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة محليا ودوليا.
منذ أرسطو وحتى دراسات التنمية الحديثة، ظل هناك اتفاق ضمني على أن وجود طبقة وسطى واسعة هو صمام أمان المجتمع. فقد رأى أرسطو أنها حجر الزاوية للاستقرار السياسي، لأنها طبقة لا تميل لتمرد الفقراء ولا تنحاز لاستبداد الأثراء أو احتكاريتهم، بل تمثل نقطة الاتزان بين الطرفين.
بالمقابل، اعتبر كارل ماركس الطبقات الوسطى فئات انتقالية داخل النظام الرأسمالي، تقع بين البرجوازية والبروليتاريا، لكنها قابلة للانحسار في ظل تطور علاقات الإنتاج.
وفي الواقع المعاصر، يحاول البنك الدولي تأطير هذه الفئة رقميا عبر معيار القوة الشرائية، مصنفا من يتراوح إنفاقهم اليومي بين 6.85 و20 دولارا ضمن هذه الشريحة، وهو تعريف يواجه مأزقا عند تطبيقه على الحالة المصرية المتغيرة.
وعلى الرغم من حضور الطبقة الوسطى مجتمعيا أو خلال الخطاب الرسمي، يغيب لدينا تعريف وطني دقيق يحدد حجمها الحقيقي، وسلوكها، ومشاكلها وبالتالي كلفة، وطرق دعمها على الوجه الأمثل، ناهيك أن هذه الطبقة ليست شيئا واحدا.
هذا الغياب المفاهيمي فتح الباب لتقديرات دولية، مثل تقرير مؤسسة "فيتش" لعام 2021، الذي قدر حجم هذه الشريحة بنحو 34% من الأسر المصرية، بناء على دخل سنوي يتراوح آنذاك بين 80 و156 ألف جنيه.
على أي حال بات هذا الرقم اليوم جزءا من الماضي، فالتضخم الحاد وتغير سعر الصرف خلال السنوات الخمس الماضية جعلا تلك الحدود الرقمية غير معبرة عن الواقع الحالي.
كما أن حساب القوة الشرائية في مصر يواجه تحديات هيكلية، أبرزها تفاوت الأسعار بين الأقاليم، واتساع الاقتصاد غير الرسمي الذي لا تنعكس آثاره كاملة في البيانات المسجلة.
قد نكون أمام مأزق معرفي يستوجب إعادة تعريف الطبقة الوسطى عبر معيارين جديدين، الأول هو معيار الاستحقاق والخدمات. فإذا اعتبرنا أن الطبقة الوسطى هي الفئة القادرة على توفير تعليم جيد للأبناء، وسكن لائق، ورعاية صحية كريمة، فإن كثيرا من المهنيين، كالمعلم أو الطبيب قد يقع إحصائيا تحت خط الفقر، لكنه سوسيولوجيا يظل ركيزة في هذه الطبقة بفضل مؤهلاته وقيمه المهنية ونمطه الثقافي، وقدرته على التفكير والابداع.
ويتجلى التحدي الآخر في سيولة الحدود الفاصلة، فالمواطن الذي يبدو مستقرا اليوم قد ينزلق إلى الهشاشة مع أول صدمة اقتصادية، سواء كانت هذه الصدمة وعكة صحية أو ارتفاعا مفاجئا في تكاليف المعيشة. لذا ينبغي أن يتضمن التعريف الحقيقي قدرة الأسرة على امتلاك وسادة صدمات تمنعها من السقوط عند الأزمات أو الإنزلاق للمستويات الأقل.
مع ذلك لا يكفى تعريف الطبقة الوسطى باعتبارها كتلة استهلاكية تمول الدورة الاقتصادية والضرائب المباشرة وغير المباشرة، بل هي تعبير أيضا، عن القوى التعليمية والمهنية والنقابية والثقافية في الدولة أو المجتمع. رغم كل ما يربطها بالإنتاجية وحركة الأسواق أكثر من غيرها، وكلما اتسعت هذه الشريحة تعزز الاستقرار والوعي، وتقلصت الهشاشة، وتحقق قدر أكبر من العدالة التوزيعية عبر نمو اقتصادي أوسع وأشمل.
في المقابل، فإن تآكل هذه الشريحة يدفع المجتمع نحو الانقسام إلى جزر اقتصادية وثقافية منفصلة، بما يهدد العقد الاجتماعي نفسه، ويضعف قدرته على إنتاج هوية مشتركة.
ومن هنا، قد نكون بحاجة إلى مؤشر رسمي مركب يجمع بين الدخل والإنفاق والأصول، ويهدف إلى تقديم صورة أوضح لصانع القرار، بما يسمح بحماية هذه الطبقة قبل أن تبتلعها فجوات التضخم أو سياسات الإصلاح المتسارعة، مع ضرورة فتح المجال لمشاركتها في مسارات الأبداع التي تتشارك بها، علما أن تعزيز طبقة وسطى قوية، هو المسار الأسلس لتعزيز النمو و العدالة و الهوية الثقافية معا.
ولا شك أن بعض التجارب الدولية تشير إلى أن توسيع الطبقة الوسطى كان محركا أساسيا ودالا على نجاح السياسات العامة، فقد سعت دول مثل كوريا الجنوبية وتشيلي وتركيا إلى رفع نسبتها بشكل ملحوظ عبر سياسات تعليم وصناعة وتنمية إنتاجية، مستهدفة متوسطات دخل مرتفعة مقارنة بمستوياتها السابقة. هذه التجارب ليست نماذج مثالية، لكنها تقدم دروسا في أن بناء طبقة وسطى منتجة يتجاوز مكافحة الفقر تقليديا إلى بناء سياسات مجتمعية طويلة المدى ومستدامة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض