"معلومات الوزراء": مقومات وإمكانات هائلة تؤهل أفريقيا لتصبح لاعبًا رئيسًا في أشباه الموصلات
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، عددًا جديدًا من مجلته "آفاق صناعية" والتي تضمنت مجموعة من المقالات في مجال الصناعة، حيث تناولت إحدى المقالات صناعة أشباه الموصلات في قارة أفريقيا والإمكانات الواعدة لبناء مركز صناعي عالمي بها، مشيراً إلى أن القارة بها إمكانات كبيرة لتطوير صناعة أشباه موصلات أكثر تكاملًا ومرونة، بفضل مواردها المعدنية، وسكانها الشباب، ومن خلال السياسات المناسبة يمكن لها أن تتحول إلى مركز عالمي لتصنيع أشباه الموصلات.
أوضح المقال أن رقائق أشباه الموصلات أصبحت حجر الأساس للاقتصاد الرقمي الحديث؛ إذ تدعم تصنيع مجموعة متنوعة من المنتجات والخدمات بدءًا بالهواتف الذكية والمركبات ذاتية القيادة وصولًا إلى التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وفي الوقت الراهن تشهد صناعة أشباه الموصلات العالمية تحولًا سريعًا مدفوعًا بارتفاع الطلب والتحولات الجيوسياسية وسعي الدول إلى تنويع سلاسل التوريد وزيادة مرونتها، ورغم هيمنة دول شرق آسيا وأمريكا الشمالية على صناعة أشباه الموصلات، فقد أصبحت العديد من المناطق والدول الجديدة تتمتع بإمكانات تؤهلها للعب دور محوري في مستقبل هذه الصناعة، وفي مقدمتها تأتي أفريقيا التي تحتضن ما يقرب من ثلث المعادن الحيوية في العالم، وتعد موردًا لمواد أساسية مثل الكوبالت والنحاس والجرافيت والسيليكون الضرورية لإنتاج أشباه الموصلات، مع ذلك لا يزال دور أفريقيا الفعلي في صناعة أشباه الموصلات مقتصرًا على مرحلة استخراج المعادن؛ حيث تسهم بأقل من 1% من الحصة السوقية العالمية، ولا تزال غائبة عن المراحل التصنيعية ذات القيمة العالية والمربحة في الصناعة.
تناول المقال مساهمة أفريقيا الحالية في سلسلة القيمة لصناعة أشباه الموصلات، حيث تنقسم سلسلة قيمة أشباه الموصلات على نطاق واسع إلى ثلاث مراحل وهي الاستخراج، والتصميم والتصنيع، ثم التجميع والاختبار والتعبئة ولكل منها تحدياتها وفرصها الخاصة في أفريقيا، وبشكل عام تتمتع أفريقيا بمكانة بارزة في المرحلة الأولى والتي تتمثل في استخراج المعادن وذلك بفضل احتياطاتها الكبيرة من المعادن الحيوية وعمليات التعدين الواسعة، بالإضافة إلى ذلك فقد تبنى عدد من الدول الأفريقية مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تعظيم الاستفادة من مواردها الطبيعية وضمان تحقيق قيمة مضافة محلية أكبر، وهو ما يظهر جليًا في الإجراءات التالية: (1- فرض ضوابط على الصادرات لإدارة تدفقات المواد الخام الثمينة بشكل أفضل، 2- تعزيز الأطر القانونية لعمليات استخراج المعادن، 3- تعزيز شفافية العقود لضمان قدر أكبر من المساءلة في عقود وإيجارات التعدين، 4- المطالبة بتعويضات أكثر عدالة، 5- تخصيص جزء من المواد الخام لإنتاج أشباه الموصلات محليًا).
وفيما يخص المرحلتين التاليتين في سلسلة قيمة أشباه الموصلات لا تزال القارة الأفريقية في بدايات مسارها نحو بناء القدرات في مجالي التصميم والتصنيع المتقدم، نظرًا لغياب المختبرات المتخصصة ومنشآت التصنيع واسعة النطاق وهو ما يقلل من فرص الوصول إلى التقنيات والعمليات الضرورية لإنتاج أشباه الموصلات.
وبالمثل تواجه أفريقيا عددًا من التحديات في مرحلة "التجميع والاختيار والتعبئة" تتعلق بضعف "أنشطة البحث والتطوير" (R&D)، ومحدودية الاستثمارات ونقص المهارات، الأمر الذي يفتح المجال أمام فرص كبيرة للتطوير والنمو المستقبلي، ولتعزيز إمكانات أفريقيا في صناعة أشباه الموصلات يتعين على الحكومات الأفريقية تعزيز البنية التحتية والسياسات المتعلقة بالطاقة والاستثمار في التكنولوجيا بما يسهم في تنمية المرحلة الثانية المتمثلة في "التصميم والتصنيع"، وقد ظهرت بعض المبادرات الصغيرة الواعدة في ذلك المجال بالفعل، مثل إنشاء جنوب أفريقيا لمركز الإلكترونيات الدقيقة وتكنولوجيا النانو التابع لـ "مجلس البحوث العلمية والصناعية" (CSIR).
فضلًا عن ذلك، يمكن لموردي المواد الخام في أفريقيا اعتماد بند التعويضات المطبق في صناعة الدفاع الهندية بحيث يلتزم المشترون بإعادة استثمار نسبة محددة من أرباحهم داخل أفريقيا، بما يسهم في تطوير القدرات المحلية الصناعة أشباه الموصلات، مع ذلك ففي حين تتطلب مرحلة تصنيع أشباه الموصلات استثمارات ضخمة، وبنية تحتية متقدمة. وخبرات عالية، فإن المرحلة الثالثة المتمثلة في "التجميع والاختبار والتعبئة" والتي تشمل العمليات النهائية في إنتاج أشباه الموصلات بما في ذلك تجميع الرقائق وتغليفها واختبارها قبل توزيعها على المستخدمين النهائيين -تعتمد على مرافق أقل تكلفة بكثير من حيث الإنشاء والتشغيل مقارنة بنظائرها في مرحلة "التصنيع والتصميم"، وعلى قوة عاملة ماهرة وذات تكلفة معقولة، كما يمكن الحصول على العديد من المواد المستخدمة في تغليف أشباه الموصلات محليًا من أفريقيا، إذا ما توافرت الاستثمارات المناسبة في مرافق التكرير والبنية التحتية الخاصة بالمعالجة.
ومن ثمَّ، يمكن لمرحلة "التجميع والاختبار والتعبئة" أن تصبح نقطة انطلاق أكثر سهولة لأفريقيا لتعزيز دورها في سلسلة توريد أشباه الموصلات، وفيما يلي عدد من الخطوات الواجب اتباعها لتعزيز مرحلة التجميع والاختيار والتعبئة في أفريقيا: (1- تطوير البنية التحتية، 2- إعداد القوى العاملة الماهرة، 3- تحفيز الاستثمارات، 4- تعزيز التعاون الإقليمي، 5- بناء الشراكات العالمية).
واستعرض مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار خلال المقال تجربة كينيا والتي تقدم نموذجًا أفريقيا رائدًا في مجال صناعة أشباه الموصلات؛ إذ اكتسبت لقب "سافانا السيليكون الإفريقي" (The Silicon Savannah of Africa) على غرار "وادي السيليكون" الأمريكي (Silicon Valley) بفضل منظومتها التكنولوجية والابتكارية المتطورة، والتي تضم شركات ناشئة بارزة مثل (Gearbox electronics, TOTOSCI, STL Semiconductor)، التي تدعم سلسلة القيمة الإلكترونية من التصميم وصولًا إلى التصنيع.
كما تصدرت كينيا دول أفريقيا في جذب تمويل الشركات الناشئة؛ إذ حصلت على ما يقارب 800 مليون دولار في عام 2023، واستمرت في كونها وجهة أولى للاستثمارات حتى منتصف عام 2024، ويظهر التزام كينيا بالتصنيع المحلي وتطوير الكفاءات التقنية في مشروع تجميع الهواتف الذكية منخفضة التكلفة من قبل شركة (East Africa Device Assembly) الذي تجاوز إنتاجه مليون جهاز منذ إطلاقه عام 2023، إضافًة إلى إنشاء مراكز تطوير برمجيات لشركات عالمية مثل خدمات "أمازون ويب"، و"مايكروسوفت"، وتستند كينيا إلى رؤية 2030 والخطة الرقمية الرئيسة كإطار داعم للسياسات مع ميزة تنافسية بفضل اعتمادها على الطاقة الحرارية الأرضية المستدامة التي تقلل من تكاليف التصنيع.
بالإضافة إلى ذلك، فقد حصلت كينيا على منحة أمريكية بقيمة 1.3 مليون دولار خلال الزيارة الرسمية بين كينيا والولايات المتحدة الأمريكية لدعم قطاع أشباه الموصلات، وذلك في إطار اتفاقية الشراكة مع "وكالة التنمية والتجارة الأمريكية" (USTDA) لتصبح بذلك المستفيد الرئيس في أفريقيا من "قانون الرقائق والعلوم" الأمريكي، إلى جانب ذلك توفر الحكومة الكينية حوافز داخل المناطق الاقتصادية الخاصة وتحتضن مدينة "كونزا" التكنولوجية التي أبرمت شراكات مع مؤسسات رائدة مثل "المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا" (KAIST)، بما يخلق بيئة جاذبة للاستثمار والنمو، وفي سياق متصل تعمل كينيا على تطوير شبكة رقمية شاملة تتضمن من 100 ألف كيلومتر من كابلات الألياف الضوئية الوطنية، وربط أكثر من 70 ألف مؤسسة، وإنشاء 1450 مركزًا مجتمعيًا لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إضافًة إلى تركيب 25 ألف نقطة "واي فاي" مجانية، وتعزيز التحول الرقمي للخدمات الحكومية، ومن شأن هذه البنية الرقمية القوية أن تدفع الطلب على الأجهزة الإلكترونية وأجهزة "إنترنت الأشياء (IoT)، مما سيزيد الحاجة إلى أشباه الموصلات، ويضع كينيا في طليعة الدول الأفريقية الساعية لبناء صناعة متكاملة في هذا المجال.
وأشار المقال إلى أفريقيا تمتلك في الوقت الراهن مقومات قوية وإمكانات مستقبلية هائلة تؤهلها لتصبح لاعبًا رئيسًا في قطاع أشباه الموصلات، وتستند هذه الإمكانات أولًا إلى ثروتها المعدنية الهائلة، حيث تضم القارة ما يقرب من ثلث المعادن الحيوية اللازمة لإنتاج أشباه الموصلات، كذلك تتمتع القارة بقوة عاملة شابة متزايدة ومؤهلة لا سيما مع زيادة أعداد الخريجين في "مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات" (STEM)، كما تستثمر عدد من الدول مثل "جنوب أفريقيا ونيجيريا ومصر وكينيا" في التعليم الفني ومراكز الابتكار بما يخلق قاعدة بشرية مؤهلة لدعم صناعة أشباه الموصلات.
كما أن انتشار حاضنات ومسرعات الأعمال، ومساحات العمل المشتركة يوفر بيئة داعمة للشركات الناشئة التي يمكن أن تسهم في عدد من الأنشطة الداعمة للصناعة مثل الاختيار وضبط الجودة والبرمجة، حتى قبل دخول القارة مرحلة التصنيع الكامل، بالإضافة إلى ذلك، يشكل الموقع الاستراتيجي لأفريقيا ميزة إضافية لها إذ تقع بين الأسواق الرئيسة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، مما يجعلها خيارًا استراتيجيًا أمام الدول للحد من تقلبات سلاسل التوريد العالمية التي زادت مؤخرًا بسبب التوترات الجيوسياسية والكوارث الطبيعية.
اتصالًا، لا تقتصر إمكانات أفريقيا فقط على الموارد الطبيعية أو الموقع بل تشمل كذلك مساهمات الجاليات الأفريقية بالخارج التي بدأت تضخ استثمارات وخبرات في مشروعات مرتبطة بأشباه الموصلات، الأمر الذي من شأنه ربط أفريقيا بالمنظومة العالمية للابتكار، وفي سياق متصل تعكس مبادرات بعض الدول مثل "رواندا واثيوبيا" في إنشاء مناطق تكنولوجية ومراكز ابتكار أن القارة تتحرك باتجاه بناء بيئة متكاملة للتصنيع في قطاع أشباه الموصلات، كما يمكن لأفريقيا الاستفادة من برامج مثل "قانون الرقائق الأوروبي" (European Chips Act)، و"قانون الرقائق والعلوم الأمريكي" (CHIPS and Science Act)، والتمويلات الضخمة التي تقدمها والتي تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، لتأسيس تشريعات وأطر عمل تدعم بناء شبكة توريد متكاملة محلية الصناعة أشباه الموصلات.
وفي حين قد لا تتمكن أفريقيا في المدى القصير من منافسة القوى الكبرى في تصنيع الشرائح الإلكترونية لكنها قادرة على الدخول في مراحل مهمة من سلاسل القيمة مثل تصميم الدوائر، واختيار المنتجات، أو إنتاج البطاريات الكهربائية، ومن شأن هذه الأدوار التكميلية أن تفتح الباب أمام القارة لتكوين خبرات تراكمية، وأن تتدرج نحو تصنيع أكثر تعقيدًا في المستقبل، أما على المدى الطويل فإن الاستثمار في أنشطة البحث والتطوير مع وضع تشريعات داعمة كفرض قيود على تصدير المواد الخام وتشجيع التصنيع المحلي سيتيح الاحتفاظ بالمواهب وتوليد فرص عمل واسعة لخريجي التخصصات الفنية.
وأوضح المقال في ختامه أن سلسلة القيمة العالمية لأشباه الموصلات لا تزال شديدة التعقيد وتحمل أهمية استراتيجية وجيوسياسية متزايدة، ورغم التحديات الراهنة فإن الإمكانات الفريدة التي تمتلكها أفريقيا -بدءًا من وفرة المواد الخام والإنتاج التكنولوجي الناشئ- تفتح الباب أمام فرص كبيرة لتعزيز التعاون الدولي لبناء منظومة متكاملة لصناعة أشباه الموصلات، ومع ضخ استثمارات كبيرة في مجالات التعليم والبنية التحتية والتكنولوجيا يمكن للقارة أن تتحول إلى مركز بارز للابتكار والتصنيع المتقدم لأشباه الموصلات، وبينما تتصاعد التكاليف في الأسواق التقليدية فإن الأسعار التنافسية لأفريقيا وإمكاناتها الابتكارية غير المستغلة يقدمان حلًا واعدًا لمستقبل هذه الصناعة، فضلًا عن ذلك فإن اندماج أفريقيا في سلاسل توريد أشباه الموصلات العالمية يحمل في طياته فوائد بعيدة المدى؛ إذ سيسهم في تعزيز مرونة سلاسل التوريد، ويقلل الاعتماد المفرط على صناعة أشباه الموصلات في شرق آسيا، ويدعم استدامة الصناعة على المدى الطويل.






