رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نهلة النمر تكتب من ذكرى لم تجف

أرنستو فييجاس.. حين تصبح الثقافة الجدار الأخير لفنزويلا

إرنستو فييجاس
إرنستو فييجاس

فى لحظات الاضطراب الكبرى، لا أبحث عن الإجابة فى النشرات الإخبارية ، بل فى الكتب. وفنزويلا، بالنسبة لى، ليست مجرد دولة تمر بكارثة سياسة، بل تجربة ثقافية عرفت منها أن السياسة قد تُربك المشهد، لكنها لا تُلغى الذاكرة.
لذلك ؛ فأنا لم أستقبل ما يحدث الآن فى فنزويلا بوصفه خبرًا عابرًا، ولا كمشهد سياسى بعيد عنا جغرافيًا، بل بوصفه 
ارتدادًا لذكرى قريبة، لم تجفّ بعد. أتذكر جيدًا كيف دخلت جناح فنزويلا فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى عام٢٠٢٤.  وكأننى أعبر قارة كاملة لا دولة واحدة. فاللغة الإسبانية لم تكن حاجزًا، بل موسيقى، والأسماء على أغلفة الكتب بدت مألوفة على نحو غامض، كأن بينها وبين التجربة العربية صلة دم لا صلة ترجمة فقط. شعرت أننى أمام ثقافة تشبهنا؛ عاشت الاستعمار ، قاومت الهيمنة، دفعت أثمانًا باهظة للحلم، ثم وجدت نفسها دائمًا فى منطقة التوتر بين العدالة والسلطة.
واليوم، حين أتابع المشهد السياسى الفنزويلى المشتعل، لا أستطيع فصله عن ذلك الإرث الثقافى. فالسياسة هناك لا تنفصل عن أدب المقاومة، عن الشعر الذى كُتب فى السجون، وعن الروايات التى جعلت من الفقر والاغتراب -لبلد يرقد على ربع ثروات العالم- مرثية سردية  . فنزويلا، كما عرفتها ثقافيًا، بلد لم يتعامل يومًا مع أزماته بوصفها طارئة، بل بوصفها قدرًا تاريخيًا يجب أن يُروى.
ففى عام ٢٠٢٤، لم أدخل جناح فنزويلا فى معرض القاهرة الدولى للكتاب  بدافع الفضول وحده، بل كنت مدفوعة بسؤال ظل يلحّ علىّ؛ كيف تتنفس الثقافة فى بلدٍ تحاصره  أطماع السياسة والاقتصاد من كل الجهات؟
لم يكن الجناح وقتها صاخبًا، ولا متكلفًا فى حضوره. كان هادئًا على نحو لافت، كأن من يقف خلفه يعرف أن الاستعراض لا وقت له، وأن البقاء أحيانًا يحتاج إلى نبرة محددة وواثقة. منذ اللحظة الأولى، شعرت أننى لا أقف أمام جناح دولة فى معرض للكتب، بل أمام محاولة واعية للصمود الصعب. 
فالكتب المعروضة لم تكن كثيرة، لكنها بدت منتقاة بعناية لافتة؛ تاريخ، صحافة، فكر، وسرد يلامس الواقع دون أن يصرّح به.
فى قلب هذا الجناح، كان يبرز اسم أرنستو فييجاس.
هو وزير الثقافة الفنزويلى، نعم؛ لكن حضوره فى الجناح لم يكن حضورَ مسؤوٍل بقدر ما كان حضور كاتب وصحفى يعرف خطورة اللحظة.
وجود كتابه داخل الجناح لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل رسالة شديدة اللهجة؛ أن تكون وزير ثقافة فى فنزويلا فى ذلك الوقت وحتى اللحظة الراهنة، يعنى أن تقف على خط تماس بين الدولة والشعب ، بين الخطاب الرسمى والوعى الجمعى، بين السياسة والذاكرة.
"ففييجاس" لم يتعامل مع الثقافة باعتبارها واجهة، بل باعتبارها الجدار الأخير الذى يمكن لبلده أن يستند إليه دون أن تسقط. هو هنا لا يطل على العالم باعتباره بطلًا فرديًا، بل علامة على مرحلة، وعلى محاولة واعية لتحويل الثقافة من هامش إلى درع. ففى أزمنة الأزمات، يجب ألا تبحث الدول عن حلول كاملة، بل عن جدار واحد لا ينهار.وفى فنزويلا، يبدو أن هذا الجدار هو الثقافة.
وفى القاهرة، داخل جناح متواضع فى المساحة، عميق فى الدلالة، رأيت هذا الجدار واقفًا، لا يطلب تعاطفًا، بل فهمًا. 
ما يحدث سياسيًا فى فنزويلا معروف عالميًا، ولا يحتاج إلى إعادة سرد.لكن ما لا يُلتفت إليه كثيرًا هو أن الثقافة هناك تحوّلت إلى مساحةدفاع أخيرة؛ فالكتابة بدل الهتاف،
المسرح بدل الصدام،والكتاب بدل الخطاب الممنوع.
لذلك فالمشاركة فى معرض القاهرة، بهذا الهدوء المدروس، بدت لى فعلًا ثقافيًا محسوبًا، يقول شعب فنزويلا من خلاله للعالم: "نحن هنا، لا لنشرح أزمتنا، بل لنؤكد أننا لم نفقد وجودنا بعد. 
صحيح؛ لم تكن مصر محور الحكاية داخل الجناح الفنزويلى يومها، لكنها كانت حاضرة بوصفها مرآة ثقافية.
وبلد يعرف جيدًا معنى أن تكون الثقافة أقدم من السياسة، وأبقى من الأنظمة.
خرجت من جناح فنزويلا وقتها ، وأنا على يقين أن ما رأيته لم يكن مشاركة ثقافية تقليدية، بل بيانًا غير مكتوب.
بيان يقول إن الدولة قد تضعف، والاقتصاد قد يُنهك، والخطاب السياسى قد يَفرغ من معناه، لكن الثقافة —إن وُجد من يحرسها — تظل قادرة على حمل الذاكرة والهوية معًا.
فالإشارات العابرة للقارات للتعاون الثقافى بين مصر وفنزويلا، ثم استضافة مصر لاحقًا كضيف شرف فى معرض فنزويلا الدولى للكتاب فى ٢٠٢٥، لم تأتِ باعتبارها إنجازًا احتفاليًا، بل كامتداد طبيعى لفكرة أعمق؛ وهى أن الثقافة وحدها قادرة على بناء جسور حين تضيق المسارات الأخرى. 
لذلك لايمكننى ان أتجاوز ان فنزويلا هى الدولة الأجنبية الوحيدة، خارج العالم العربى، التى استضافت مصر كضيف شرف فى معرضها للكتاب. وعلينا أن نعى قيمة أن يأتى ذلك بعد سنوات طويلة من الغياب المصرى عن مسند “ضيف الشرف” فى معارض الكتب الدولية، رغم حجم مصر التاريخى والثقافى الذى أثق أن العالم يدركه جيدًا.