رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

بعد الوزارات.. إلى العاصمة الإدارية

مبان حكومية تنتظر تقرير المصير

بوابة الوفد الإلكترونية

إخلاء المقرات تم دون وجود خطة واضحة لاستغلالها

6 مليارات جنيه إيجار مقرات العاصمة الإدارية تدفعها الحكومة

خبراء: لا بد من تحويل الأصول غير المستغلة من عبء الصيانة لفرص استثمارية واقتصادية واعدة

 

 

مع بدء مرحلة الانتقال الفعلى للمؤسسات التنفيذية والتشريعية والمبانى الحكومية إلى العاصمة الجديدة، ومن بينها البرلمان المصرى الذى من المقرر أن يبدأ أولى جلساته بعد انتهاء الانتخابات من مقره الجديد، تصاعدت التساؤلات حول مصير عشرات المبانى الحكومية فى منطقة وسط البلد التى طالما كانت هى روح مصر وتاريخها وقلبها النابض وشريان الحياة والحضارة والتاريخ فيها.

فمع إخلاء هذه الأبنية من موظفيها ووظائفها التقليدية، يبرز تساؤل جوهري: ماذا بعد؟ وهل تتحول هذه الأصول إلى عبء جديد على الدولة، أم فرصة حقيقية لإعادة إحياء منطقة وسط البلد اقتصادياً وثقافياً من جديد؟

فهذه المنطقة تضم عدداً كبيراً من المبانى الحكومية ذات الطابع المميز، والتى تعود فى أغلبها إلى حقب تاريخية مختلفة، وتحمل سمات معمارية فريدة تعكس روح القاهرة الخديوية، وعلى مدار عقود، ارتبطت بوظائف إدارية وخدمية، ما جعل المنطقة تنبض بالحياة خلال ساعات النهار، لكنها تفقد جزءاً كبيراً من زخمها مع انتهاء يوم العمل الرسمى.

ومع انتقال هذه الجهات إلى العاصمة الإدارية، تقف منطقة وسط القاهرة أمام مفترق طرق حقيقى، تتنازعه عدد من السيناريوهات المختلفة، السيناريو الأسوأ فيها يتمثل فى ترك هذه المبانى مغلقة أو غير مستغلة، وهو ما يعرّضها للتدهور والإهمال، ويحوّلها من قيمة مضافة إلى عبء صيانة مستمر.. أما السيناريو الأفضل، فيقوم على إعادة توظيفها بشكل مدروس، يحقق عائداً اقتصادياً للدولة، ويحافظ فى الوقت نفسه على قيمتها التاريخية والمعمارية كما هو الحال والمنتظر فى مجمع التحرير.

وإذا كانت الحكومة قد قررت الانتقال لمقراتها الجديدة بالعاصمة الإدارية التى تدفع قيمة ايجارية لها تصل إلى 6 مليارات جنيه، فكان من الأولى وضع خطة مسبقة لاستغلال هذه المبانى التى تعد تحفا معمارية قبل أن تكون مقرات حكومية خاوية، وهنا يبرز التحدى الحقيقي: كيف يمكن تحقيق معادلة متوازنة بين الاستثمار والحفاظ على التراث؟

ويرى خبراء أن هذه المبانى تمثل ثروة عقارية وتراثية فى آن واحد، وأن إعادة استخدامها يمكن أن تسهم فى تنشيط السياحة، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، فضلاً عن إعادة الحياة إلى قلب القاهرة. لكن هذا التوجه، بحسب المختصين، لا يمكن أن يتم بشكل عشوائى، بل يتطلب رؤية شاملة تضع فى اعتبارها الأبعاد الاقتصادية والعمرانية والثقافية، إلى جانب الالتزام بالضوابط القانونية المنظمة للتعامل مع المبانى ذات القيمة التراثية، بما يضمن الحفاظ على هوية وسط البلد وعدم فقدانها لخصوصيتها التاريخية

الدكتور أحمد الزيات، رئيس شعبة الهندسة المعمارية 
الدكتور أحمد الزيات، رئيس شعبة الهندسة المعمارية 

تكامل

ومن جانبه، أكد الدكتور أحمد الزيات، رئيس شعبة الهندسة المعمارية بالنقابة العامة للمهندسين، أن إعادة توظيف مبانى الوزارات بوسط البلد بعد انتقالها إلى العاصمة الإدارية الجديدة يجب ألا تتم بمعزل عن السياق العمرانى المحيط، مشدداً على ضرورة وجود تكامل بين الاستخدامات الجديدة وطبيعة المنطقة فى إطار خطة شاملة ومدروسة.

وأوضح الزيات أن استغلال هذه المبانى التراثية يتطلب رؤية عمرانية واقتصادية متكاملة، تراعى احتياجات العمران القائم وتخدمه، بدلاً من فرض أنشطة قد تتعارض مع طبيعة المكان أو تفقده هويته التاريخية، قائلاً: «لازم يكون فيه تكامل مع السياق العمرانى المحيط، فى إطار خطة اقتصادية واضحة تحقق عائداً لهذه المبانى التراثية».

وأشار إلى أن مفهوم العائد الاقتصادى لا يقتصر بالضرورة على تحقيق أرباح مالية مباشرة، موضحاً أن العوائد المجتمعية لا تقل أهمية، بل قد تكون أكثر استمراراً فى بعض الحالات، وأضاف: «العائد مش شرط يكون مادى فقط، ممكن نحقق عوائد مجتمعية تخدم السكان وتلبى احتياجات حقيقية للعمران، حتى لو من خلال أنشطة محدودة لكنها مؤثرة».

ولفت الزيات إلى أن بعض المبانى يمكن إعادة توظيفها فى أنشطة مساندة للخدمات القائمة بالفعل فى المنطقة، خاصة فى القطاعات التى تعانى من نقص أو ضغط، مؤكداً على أهمية توجيه الاستخدامات الجديدة بما يخدم النسيج العمرانى والاجتماعى لوسط البلد بحيث تتحول مناطق وسط البلد إلى متحف مفتوح زخم بالحياه، والا يقتصر فقط الاستثمار على الانشطة التجارية.

كما شدد رئيس شعبة الهندسة المعمارية على أهمية إدماج بعض هذه المبانى ضمن منظومة التحول الرقمى والحكومة الذكية، مؤكداً أن التطوير لا يعنى انفصال العاصمة الإدارية، بل يمكن أن يكون مكملاً لها، قائلاً: «فى بعض المبانى لازم تحقق اتصال مباشر عبر شبكات المعلومات والإنترنت، وتبقى جزء من المنظومة الذكية للدولة».

وأضاف أن بعض المبانى التراثية يمكن أن تؤدى دوراً محورياً كحلقة وصل بين المواطنين والعاصمة الإدارية الجديدة، خاصة أن كل المواطنين ليسوا قادرين أو مضطرين للانتقال بشكل دائم إليها، موضحا: «مش كل الناس هتروح العاصمة الإدارية، وبالتالى وجود مبانى ذكية فى وسط البلد تتكامل مع نقل العاصمة أمر مهم جداً».

واختتم الزيات تصريحاته بالتأكيد على أن إعادة توظيف مبانى الوزارات فى وسط القاهرة تمثل فرصة نادرة لتحقيق تنمية عمرانية متوازنة، تجمع بين الحفاظ على التراث، وتحقيق عوائد اقتصادية ومجتمعية، ودعم توجه الدولة نحو التحول الرقمى، بشرط أن تتم وفق رؤية شاملة لا تقتصر على مبنى واحد أو مشروع منفرد.

الدكتور على الإدريسى، الخبير الاقتصادى، 
الدكتور على الإدريسى، الخبير الاقتصادى، 

استغلال أصول الحكومة

واستكمل الحديث الدكتور على الإدريسى، الخبير الاقتصادى، مؤكداً أن نقل الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة يفتح المجال أمام استغلال عدد كبير من الأصول الحكومية، التى يمكن تحويلها إلى مصادر دخل حقيقية إذا أُعيد توظيفها اقتصادياً بشكل مدروس، بدلاً من تركها كعقارات مهجورة.

وأشار الإدريسى إلى أن أفضل سيناريو لاستغلال هذه المبانى يتمثل فى توجيهها إلى أنشطة خدمية وسياحية، مثل الفنادق الصغيرة ذات الطابع التراثى، والمراكز الثقافية والفنية، إلى جانب المطاعم والمقاهى الراقية التى تستفيد من الواجهات التاريخية، فضلاً عن مساحات العمل المشتركة والمكاتب التى تلبى احتياجات وسط المدينة.

وأوضح أن هذا التوجه يطرح تساؤلاً مهماً حول مصير عدد كبير من المبانى الحكومية فى وسط البلد، خاصة أن كثيراً منها يتمتع بقيمة تاريخية ومعمارية كبيرة، محذراً من أن ترك هذه الأصول دون استخدام واضح يحولها من فرصة اقتصادية إلى عبء صيانة وتدهور بمرور الوقت.

وأضاف أن بعض هذه المبانى يمكن إدخاله ضمن نموذج التطوير العقارى المختلط، من خلال الجمع بين الاستخدام السكنى والخدمى، أو تحويل القصور التاريخية إلى مقرات لشركات ضيافة أو مؤسسات تعليمية دولية، مع الحفاظ الكامل على طابعها المعمارى.

وأكد الخبير الاقتصادى أن العائد المتوقع من هذا التوجه لا يقتصر على إيرادات مباشرة، مثل الإيجارات أو عوائد الأنشطة السياحية والثقافية، بل يمتد إلى تحقيق دخل تشغيلى طويل الأجل، وهو ما يُعد أكثر جدوى من بيع هذه المبانى وتحقيق عائد لمرة واحدة فقط. كما يسهم تطوير هذه الأصول فى رفع قيمة الأراضى والعقارات المحيطة، وزيادة الحصيلة الضريبية المحلية.

وشدد الإدريسى على أن تحويل القصور التاريخية إلى مشروعات سياحية أو ثقافية يُعد أكثر ربحية فى أغلب الحالات من بيعها، موضحاً أن البيع يفقد الدولة السيطرة على هذه الأصول، بينما يحقق تشغيلها دخلاً سنوياً متزايداً، ويوفر فرص عمل، ويعزز من القيمة السياحية للمدينة، ويضمن استمرار استخدامها بدلاً من الإهمال أو التفكيك.

وأشار إلى أن هذه المشروعات تلعب دوراً مهماً فى تنشيط الاقتصاد المحلى، من خلال خلق فرص عمل مباشرة فى مجالات السياحة والضيافة والإدارة والصيانة، إلى جانب تحفيز الأنشطة المحيطة مثل المطاعم والخدمات والنقل، وجذب استثمارات محلية وأجنبية لمشروعات صغيرة ومتوسطة، بما ينعكس على زيادة الإيرادات غير التقليدية للدولة.

واعتبر الإدريسى أن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص تمثل الحل الأمثل لاستغلال هذه المبانى، لما توفره من توازن بين أصول الدولة وخبرات وتمويل القطاع الخاص، مع إدارة تشغيلية محترفة، مشيراً إلى أن نماذج الشراكة مثل BOT، أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، أو عقود حق الانتفاع، تُعد من أنجح الآليات فى هذا الملف، بشرط الالتزام بالحفاظ على الطابع التراثى.

واختتم الخبير الاقتصادى حديثه بالتأكيد على أن أنجح نموذج اقتصادى فى هذا السياق هو نموذج متدرج، يبدأ بتقييم وتصنيف المبانى وفق إمكانيات استخدامها، ثم الدخول فى شراكات مدروسة مع شركات متخصصة، مع تقديم حوافز تمويلية وضريبية مقابل الحفاظ على الواجهات التاريخية وخلق فرص عمل، وصولاً إلى تنشيط محيط وسط البلد من خلال تطوير الشوارع والمسارات السياحية والخدمات، بما يحول المنطقة إلى مركز اقتصادى واستثمارى نابض بالحياة.

الدكتور أحمد عامر، الباحث فى علم المصريات 
الدكتور أحمد عامر، الباحث فى علم المصريات 

مبانٍ ذات قيمة

وفى السياق نفسه، أوضح الدكتور أحمد عامر، الباحث فى علم المصريات والخبير الأثرى، أن المبانى الموجودة فى منطقة وسط البلد لا تعد مبانى أثرية بالمعنى القانونى، لكنها مبان تراثية ذات قيمة معمارية وتاريخية، وتخضع لاختصاص الجهاز القومى للتنسيق الحضارى التابع لوزارة الثقافة، وهو الجهة المنوط بها الحفاظ على الطابع المعمارى لهذه المنطقة.

وأشار إلى أن الحفاظ على هذه المبانى يتطلب فى المقام الأول إجراء صيانة دورية منتظمة، إلى جانب توثيقها توثيقاً علمياً دقيقاً، مع الالتزام بأعمال الترميم وإعادة الاستخدام وفق معايير تحترم القيمة الخاصة لكل مبنى، دون المساس بمعالمه الأصلية أو هويته المعمارية.

وأضاف أن أى عملية تطوير يجب أن توازن بين الحفاظ على القيمة التاريخية والثقافية للمبانى، وبين إعادة توظيفها بما يعزز دورها كمركز اقتصادى واستثمارى يتماشى مع متطلبات العصر، مشدداً على أهمية المتابعة الدورية لهذه المبانى لضمان حمايتها وعدم تعرضها للتدهور.

وأكد أن استثمار المبانى التراثية أمر جائز قانوناً طالما تم فى الإطار المسموح به، لكن بشرط اتخاذ جميع الإجراءات التى تضمن حمايتها من أى مخاطر مستقبلية، بما يحقق إحساس المجتمع بقيمتها، ويجعلها عنصراً داعماً للسياحة والاستثمار فى مصر، من خلال إبراز عناصرها المعمارية المميزة دون تغيير واجهاتها أو ملامحها الأصلية، وهو أمر غير مسموح به نظراً لما تحمله من تراث فريد وقيمة حضارية وتاريخية، وأن الضوابط الأساسية لاستغلال أى مبنى تراثى أو أثرى تتمثل فى الالتزام بترميمه وتطويره بما يحافظ على قيمته الحضارية والتاريخية، مع توظيفه توظيفاً ملائماً لطبيعته، ووضع معايير واضحة لا يجوز الإخلال بها، إلى جانب استكمال الأجزاء غير المكتملة بطريقة لا تتعارض مع الطابع التراثى، وعدم تنفيذ أى أعمال هدم أو تعديل إلا بعد التنسيق الكامل مع الجهات المختصة.

وشدد على أن تغيير هوية المبانى التراثية يُعد جريمة يعاقب عليها القانون، موضحاً أن الهدف من التطوير ليس تغيير المبنى، بل إظهار جماله المعمارى والحضارى ذى الطراز الفريد، واستعادة قيمته التاريخية والتراثية، وهو الهدف الرئيسى من إعادة استغلال هذه المبانى، لافتاً إلى أنه فى حال عدم توافر هذه الشروط، لا يجوز التعامل مع المبنى حتى لا يفقد قيمته التى أُنشئ من أجلها.

واختتم عامر بالتأكيد على أن إعادة توظيف هذه المبانى وحمايتها يتطلب إزالة التلوث البصرى عن العقارات التراثية، وتوحيد اللافتات التجارية، إلى جانب قيام الجهات المختصة بإجراء صيانة وقائية سنوية لمبانى وسط البلد ذات الطابع الخديوى، تحت إشراف لجان متخصصة تضم خبراء فى الترميم والصيانة، بما يضمن الحفاظ على الهوية المعمارية والتاريخية للمنطقة، وتحويلها إلى منطقة اقتصادية جاذبة للاستثمار تحقق عائداً اقتصادياً مع الحفاظ على تراثها فى أبهى صورة.