رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

تصحيح مسار

لطالما كانت المواصلات العامة فى مصر مدرسة للأخلاق الحميدة والتلقائية، حيث كان الشاب يتسابق للقيام من مقعده بمجرد رؤية شخص يكبره بسنوات، وكانت الشهامة هى التذكرة التى يحملها الجميع، لكن فى هذه الأيام أصبحنا نرى فى عربات المترو والمواصلات العامة مشاهد تدمى القلوب، شباب يجلسون وينظرون فى هواتفهم بتجاهل متعمد، وكبار سن أو ذوى احتياجات خاصة يصارعون الوقوف والاهتزازات، وما هو أصعب من التجاهل، هو الرد الصادم الذى قد يواجه به الشاب من يحاول تذكيره بواجبه الأخلاقى، إنها أزمة إنسان قبل أن تكون أزمة مكان، وهى جرس إنذار لخلل أصاب منظومة قيمنا الاجتماعية، ويمس جوهر «الجدعنة» المصرية والقيم الأصيلة التي تربينا عليها، والتي يبدو أنها بدأت تتوارى خلف شاشات الهواتف وسماعات الأذن.

فى المترو مثلا، تظهر ظاهرة «النوم الاصطناعى» أو «التركيز العميق فى الهاتف» بمجرد دخول شخص مسن للعربة، الشباب هنا لا يكتفون بعدم المساعدة، بل يضعون حواجز نفسية «سماعات الأذن» ليفصلوا أنفسهم عن محيطهم الاجتماعى، هذا بجانب بعض الردود الفجة والمستفزة التى من الممكن أن تصدر منهم، فلم يعد الأمر يقتصر على الصمت، بل نجد شبابا يردون بأسلوب متعال أو عدوانى مثل، «أنا تعبان زيى زيه» أو «المترو للكل يشوف مكان تانى» هذا المنطق المادى البحت يلغى فكرة التراحم التى هى أساس أى مجتمع حضارى.

وسط تلك المشاهد السلبية، لا يمكننا أن نغفل عن وجود جيل من الشباب الواعى الذى يمثل الوجه المشرق لمصر، هؤلاء هم أبطال الظل الذين نراهم فى عربات المترو والمواصلات، الشاب الذى ينهض من مقعده بابتسامة قبل أن يطلب منه ذلك، والفتاة أو الشابة التى تترك مقعدها لسيدة مسنة رغم إرهاقها بعد يوم دراسى أو يوم عمل طويل، هؤلاء الشباب لا يفعلون ذلك بحثا عن شكر، بل انطلاقا من وازع إنسانى وتربية أصيلة،  إن تصرفاتهم البسيطة تلك ليست مجرد تخل عن مقعد، بل هى رسالة صامتة تقول «نحن هنا، والقيم لم تمت» هؤلاء هم النموذج الذى يجب أن يسلط عليه الضوء، فهم القدوة الحقيقية التى تثبت أن «الجدعنة» هى جين وراثى فى دم الشباب المصرى، ينتظر فقط الفرصة ليظهر ويعيد للشارع وقاره.

وهنا يظهر دور الأسرة، فهو البذرة الأولى، فالأسرة هى المعمل الذى تخرج منه الأخلاق،  عندما يرى الابن والده، وهو القدوة الحية، يقوم فى المواصلات العامة والمترو ليجلس من هو أكبر منه، ستنطبع هذه الصورة فى ذهنه للأبد، كما يجب تعليم الأطفال قصصا عن مكانة كبار السن وذوى الهمم، وأن جبر الخواطر هو أقصر طريق للبركة والنجاح.

أما دور المدرسة، محراب الأخلاق الحميدة والقيم، فيائتى عن طريق تنظيم أنشطة تتضمن مساعدة ذوى الاحتياجات، وجعل السلوك الأخلاقى جزءا من تقييم الطالب، لا يقل أهمية عن الدرجات العلمية، وتفعيل دور الإخصائى الاجتماعى فى الحديث عن آداب الطريق والمواصلات العامة وحقوق الآخرين.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال دور المجتمع والإعلام، بتنظيم حملات توعية للشباب، مثل «ارحموا عزيز قوم» و«الكبير كبير» والتوجيه عن طريق وسائل التواصل الاجتماعى وتطبيقاتها المختلفة والمؤثرين لتقديم محتوى يحث على هذه القيم بدلا من المحتويات الفارغة والغير هادفة للشباب على الإطلاق، بل تسرق وتضيع أوقاتهم.

كما أنه على القائمين على وسائل المواصلات تشديد الرقابة على المقاعد المخصصة لكبار السن وذوى الاحتياجات فى المترو والمواصلات العامة، والتفعيل القانونى بفرض غرامات سلوكية للمخالفين.

وختاما.. فإنه بين تلك النماذج السلبية التي تحتاج لتقويم، والنماذج الإيجابية التي تستحق التكريم، تظل المسئولية ملقاة على عاتقنا جميعا، وأن جبر الخواطر فى المواصلات العامة ليس مجرد سلوك عابر، بل هو معيار لرقى الأمم، ولنكن جميعا مثل أولئك الشباب الإيجابى، ولنجعل من احترام الكبير وذوى الاحتياجات «ثقافة حياة» لا تنقطع، لكى نجد من يحترم ضعفنا حين تدور بنا الدوائر.

[email protected]