رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

إستشاري صحة نفسية: بناء مدافن تُشبه القصور تهدف لمحو آثار الماضي

 الدكتور وليد هندي،
الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية

لم يعد الغلاء في مصر يلاحق الأحياء فقط، بل امتد ليطال الأموات أيضًا، في مشهد صادم يعكس حجم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع المصر، فقد أصبح شراء مدفن أمرًا صعبًا، بل غارقًا في الرفاهية والترف، ليصبح عبئًا ثقيلًا يفوق قدرة الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، وسط قفزات غير مسبوقة في الأسعار، ظهرت أنماط جديدة من «الرفاهية» حتى في أماكن الدفن، في تحول يثير العديد من التساؤلات.

على مر السنين، كانت المدافن جزءًا من الحياة اليومية لعائلات الطبقة المتوسطة في مصر، حيث كانت تكلفة شراء المدفن في متناول اليد، ولكن في السنوات الأخيرة، شهدت أسعار المدافن ارتفاعًا وصفه المواطنون بـ«غير المعقول»، فقد وصل سعر المدفن الذي لا تتجاوز مساحته 20 مترًا مربعًا إلى نحو 500 ألف جنيه، وهو رقم يتجاوز تكلفة شقة سكنية في بعض المناطق.

في المقابل، ظهرت فئة جديدة من المدافن تحت مسمى «مدافن VIP»، تتميز بمساحات واسعة تتجاوز 80 مترًا مربعًا، وتشطيبات فاخرة، وأسوار رخامية، وغرف استقبال، لتصل أسعارها إلى مليونين جنيه وأكثر، وكأنها فلل أُعدّت للسكن لا للدفن.

المقابر الفاخرة: 

ومن جانبه، قال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، إن ظاهرة "الشبع بعد جوع" أصبحت تُترجم إلى سلوكيات قد تكون مفاجئة بالنسبة للكثيرين، حيث تتجاوز هذه السلوكيات الحدود التقليدية لحياة الناس اليومية، وتنتقل إلى الحياة الأخرى، وعندما يتعلق الأمر بمفهوم الموت، أصبح البعض يسعى لبناء مقابر فاخرة، ليس فقط كمكان للدفن، ولكن كوسيلة لإثبات الذات وطمس الماضي.

 أشار الدكتور هندي في تصريح خاص لـ«بوابة الوفد»  إلى أن بعض الأشخاص بدأوا يعملون على بناء مدافن تُشبه القصور، بهدف محو أي أثر قد يكون مرتبطًا بماضيهم أو ماضي أسرهم، وتظهر هذه الظاهرة بشكل خاص بين الأشخاص الذين يسعون إلى كتابة تاريخ جديد لأنفسهم ولأبنائهم من خلال بناء مقابر متميزة تكشف عن رغبتهم في تقديم أنفسهم بطريقة تختلف عن الماضي الذي قد لا يودون التذكّر به.

وقال هندي: «بعض الأشخاص يحاولون تغيير صورة ماضيهم الاجتماعي من خلال المقابر الفاخرة، حيث يعتقدون أن هذه المقابر ستُخلّد ذكراهم بطريقة تختلف عن الواقع السابق»، موضحا أن الثراء الفاحش الذي يحرص البعض على إظهاره، سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم، يمثل محاولة لتحسين صورتهم أمام المجتمع.

 

الطبقة الجديدة والثراء المفاجئ بعد 25 يناير:

وأضاف الدكتور هندي أنه في أعقاب ثورة 25 يناير، بدأت تظهر طبقة جديدة من الأثرياء الذين لم يمروا بتجارب اقتصادية صعبة في جني الأموال، ولم يتعاملوا مع معاناة طبقات المجتمع الأخرى، و هذه الطبقة، كما أشار، تشبه إلى حد كبير تلك التي ظهرت خلال حكم الرئيس الراحل أنور السادات، عندما اجتاحت البلاد موجة من الثراء الفاحش الذي بدأ يظهر بشكل مفاجئ.

وفي تلك الحقبة، كان الأثرياء الجدد يسعون إلى تكريس ثرواتهم بطرق لافتة، مثل بناء المدافن الفاخرة التي أصبحت تُعتبر جزءًا من مظاهر الرفاهية الاجتماعية. هذه الظاهرة لم تقتصر فقط على الحياة اليومية بل طالت الموت وأماكن الدفن، لتُظهر حجم التفاوت الطبقي بين فئات المجتمع.

الشعور بالنقص ومحاولات إثبات الذات:

وأشار الدكتور هندي إلى أن بعض الأشخاص الذين يملكون شعورًا بالنقص يسعون جاهدين إلى إثبات أنفسهم في المجتمع، سواء في الحياة أو الموت، فبدلاً من أن تكون مظاهر الحياة بسيطة، بدأوا يبحثون عن سلوكيات ضرورية تُظهر الثراء الفاحش، مثل الشرب من كأس ضخم فاخر أو الجلوس في مكاتب فخمة، وهذه التصرفات، بحسب هندي، تعكس رغبة هؤلاء الأشخاص في تعويض الفراغ الداخلي عن طريق الظهور الاجتماعي المبالغ فيه.

وتابع هندي قائلاً: «تُظهر هذه السلوكيات نوعًا من التفاخر والبحث عن القبول الاجتماعي، وهو ما يعكس عدم الراحة النفسية والداخلية لهؤلاء الأشخاص الذين يعانون من قلة الثقة بأنفسهم»،  فبدلاً من أن يعبروا عن أنفسهم بطرق أكثر مصداقية وواقعية، يتجهون إلى المظاهر التي تكشف عن عدم شعورهم بالراحة مع الواقع الاجتماعي.