اللون الأحمر هو أطول موجة لونية و أول لون يصل إلى العين،حيث يمكن رؤيته من مسافات بعيدة لذا يستخدم في اضاءة علامات الخطر كالحريق و إشارات المرور . يعتبر مصطلح الخط الأحمر جديد نسبيا علي عالم السياسة فهو احد أدوات الدبلوماسية الخشنة حيث يعد بمثابة تهديد مبطّن بالاشتباك و تحذير استباقي من القيام بعمل من شأنه تجاوز ذلك الخط غير المرئي ، يعود أصل المصطلح إلى رسم حدود مناطق النفط العثمانية عام 1928، و اشهر مثال كان عندما وقعت بريطانيا اتفاقية دفاعية مع بولندا 1939 محذرة المانيا من غزو بولندا لكن هتلر لم يكترث للخط الأحمر البريطاني و كان ذلك اشارة لبدء الحرب العالمية الثانية .
و خلال العقد الأخير وضعت مصر حزمة من الخطوط الحمراء في سياستها الخارجية لمواجهة بعض الملفات الشائكة وحماية مصالحها الوطنية و لقراءة دلالات هذه الخطوط يستلزم النظر الي المخاطر المحدقة بالاقليم الذي يعاني من احداث متلاحقة تقف ورائها قوي دولية تسعى إلى رسم هندسة جيوسياسية جديدة بتقسيم المقسم و تجيزء المجزء عبر سياسة الفوضى الخلاقة في نسخة معدلة من سايكس بيكو ، تتخفي هذه الهجمة الاستعمارية الشرسة وراء قناع زائف يدعو إلى الحرية و الديمقراطية و هذا حق يراد به باطل
كان لهذه التداعيات الخطيرة تأثيرات جوهرية علي استراتيجية الأمن القومي المصري و ما جعل القاهرة تسعى جاهدة انقاذ ما يمكن انقاذه لاسيما بعد سقوط دول وازنة من معادلة الأمن القومي العربي
فثمة ملاحظات لافتة علي النهج المصري ابرزها صلابة الارادة السياسية باستقلال القرار الوطني مهما كانت المغريات او الضغوط السياسية و الاقتصادية ، فخطوط الدم ليست مجرد تهديدات جوفاء للاستهلاك المحلي بل إعلان سياسي جريء بأن القاهرة هي اللاعب الرئيسي في رقعة الشطرنج و هنا تجدر الإشارة إلى هدوء و رزانة الأداء السياسي الذي لم يسقط مثل غيره في مستنقع الشعبوية الرخيصة في ظل التحولات السياسية المترجحة للقوي الدولية و الاقليمية
لقد اتسم تعاطي القاهرة بمسئولية و صبر استراتيجي للحفاظ علي شعرة معاوية مع كافة الاطراف و هو ما جنب ليبيا من تصبح ولاية عثمانية أو تقسم جهوياً لثلاث دويلات و كذلك ملف الامن المائي الذي يعد مسألة وجودية لا تقبل المساومة بعدم التنازل عن حقوقها التاريخية في حصتها من ماء النيل و الإصرار علي توقيع اتفاقية قانونية ملزمة لادارة و تشغيل السد الإثيوبي و كان أصعب تحدي واجهته القاهرة هو تصديها منفردة لملف تهجير الفلسطينيين فكما صرح وزير الخارجية بدر عبد العاطي إن مصر تضع خطين أحمرين بالنسبة لفلسطين، ولن تقبل بأي "لغو" إسرائيلي حول غزة، واضاف لولا السيسي لتمت تصفية القضية الفلسطينية تماما بسبب الضغوط الرهيبة التي مورست علي مصر، و اخيرا و بلغة واضحة لا تخلو من حدة أصدرت الرئاسة المصرية بيانا هاماً تضمن 3 خطوط حمراء لن تسمح بتجاوزها او التهاون بشأنها لانها تمس الأمن القومي المصري المرتبط عضويا بالأمن القومي السوداني ملوحة بالإشارة الي تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك فهذه الخطوط الحمراء رسالة موجهة للجميع، فاللاعبون المؤثرون في المشهد السوداني كثر.
يوما ما ستمر العاصفة العاتية و ستكتشف النخب و الشعوب العربية المغرر بهم حجم المؤامرة و ستصدم بتورط الأشقاء فيها عندئذ ستعرف قيمة ما فعلته مصر الكبيرة و التي بالمناسبة لا تريد منهم جزاءاً و لا شكوراً فهذه ليست المرة الأولى و التاريخ يشهد علي ذلك و لكن كما قال صاحب نوبل آفة حارتنا النسيان و أزيد علي ذلك ربما الجحود و نكران الجميل.