رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

سباق الطاقة العالمي بين النووي والشمس وحلم الاندماج

بوابة الوفد الإلكترونية

رغم كل ما يحيط بنا من حديث عن الكهرباء والتحول للطاقة النظيفة، قد تبدو الحقيقة صادمة للبعض: الكهرباء لا تمثل سوى نحو 21 في المئة فقط من إجمالي استهلاك الطاقة عالميًا، الوقود الأحفوري ما زال يلعب الدور الأكبر، لكن هذا المشهد مرشح للتغير سريعًا خلال السنوات القليلة المقبلة. 

فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن تتضاعف حصة الكهرباء من استهلاك الطاقة العالمي خلال العقد القادم، مدفوعة بعوامل واضحة مثل التحول الكهربي، وانتشار السيارات الكهربائية، والتوسع الهائل في مراكز البيانات، وصعود الذكاء الاصطناعي كمستهلك شره للطاقة.

المشكلة أن العالم، ببنيته الحالية، غير مستعد على الإطلاق لهذا الارتفاع الجنوني في الطلب. فزيادة الإنتاج، وتحديث شبكات النقل، وتطوير قدرات التخزين، كلها ملفات ثقيلة تتحرك بوتيرة أبطأ بكثير من سرعة نمو الطلب.

العودة إلى حب الذرة
في الولايات المتحدة، كان العام الماضي حافلًا بإشارات سياسية واضحة على الرغبة في توسيع إنتاج الطاقة محليًا، وعلى رأسها إعادة الاعتبار للطاقة النووية. ففي يناير، صدر قرار تنفيذي تحت عنوان “إطلاق العنان للطاقة الأمريكية”، ركز بالأساس على إزالة القيود البيئية التي تعيق استخراج النفط والغاز والفحم، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام تسهيل بناء محطات نووية جديدة. وفي مايو، تبعه قرار آخر يؤكد رغبة الحكومة في دعم ونشر تقنيات نووية متقدمة.

هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، إذ سارعت شركات التكنولوجيا الكبرى، بوصفها المحرك الرئيسي لثورة الذكاء الاصطناعي، إلى تأمين مصادر طاقة مستقرة وطويلة الأجل. شركة ميتا وقّعت عقدًا لمدة 20 عامًا مع شركة Constellation للاستحواذ على إنتاج محطة كلينتون النووية بقدرة 1.1 جيجاوات.

 مايكروسوفت بدورها أبرمت اتفاقًا مشابهًا للاستفادة من مفاعل في موقع ثري مايل آيلاند، الذي أُعيدت تسميته إلى مركز كرين للطاقة النظيفة، وحصل المشروع لاحقًا على قرض حكومي بقيمة مليار دولار.

ولم يقتصر الأمر على هذه الصفقات، إذ بدأت الولايات المتحدة في إعادة تشغيل مفاعلات نووية متوقفة، مثل محطة باليسادس في ولاية ميشيجان، التي حصلت على قرض حكومي بقيمة 1.52 مليار دولار لإعادتها للخدمة بطاقة تصل إلى 800 ميجاوات.
التحول نحو الطاقة النووية ليس حكرًا على الولايات المتحدة. فبحسب الرابطة العالمية للطاقة النووية، هناك نحو 70 مفاعلًا قيد الإنشاء حاليًا في 15 دولة. دول مثل روسيا والهند وتركيا وكوريا الجنوبية واليابان والبرازيل تمضي قدمًا في تعزيز قدراتها النووية، لكن الصين تظل الحالة الأبرز.

الصين وحدها تبني حاليًا 33 مفاعلًا نوويًا، ووافقت هذا العام على إنشاء 10 مفاعلات إضافية. ووفق تقارير متخصصة، فإن سياسة الصين في بناء عدة مفاعلات في وقت واحد أدت إلى خفض التكاليف بشكل هائل، حيث تبلغ تكلفة المفاعل الواحد نحو 2.7 مليار دولار فقط، مقارنة بأكثر من 60 مليار دولار لمفاعلين جديدين في مشروع هينكلي بوينت البريطاني.
رغم هذا الزخم، يظل بناء المفاعلات النووية عملية بطيئة ومعقدة، قد تمتد لعقد كامل قبل دخول المحطة الخدمة، بخلاف سنوات أخرى من الإجراءات التنظيمية. لذلك، فإن أي تحول جذري في مزيج الطاقة سيستغرق أجيالًا، لا سنوات. ويخشى مراقبون أن يكون التركيز على النووي غطاءً لعودة أقوى للوقود الأحفوري.

ففي الولايات المتحدة، تراجعت بشدة حوافز الطاقة الشمسية، ما أضعف التصنيع المحلي للألواح، بينما جرى تخصيص مئات الملايين لإحياء صناعة الفحم، إلى جانب دعم الاحتياطي النفطي الاستراتيجي. كما أثارت تصريحات رسمية عن قرب وصول طاقة الاندماج النووي إلى الشبكة خلال عقد واحد انتقادات واسعة من خبراء المناخ، الذين اعتبروها وعودًا غير واقعية.
ورغم كل العقبات، تواصل الطاقة الشمسية صعودها اللافت عالميًا. وكالة الطاقة الدولية تتوقع إضافة 4.6 تيراوات من الطاقة المتجددة بحلول 2030، تمثل الطاقة الشمسية وحدها نحو 77 في المئة منها. وحتى مع تراجع الدعم في بعض الدول، تظل الطاقة الشمسية أسرع وأرخص وسيلة لإضافة قدرات توليد جديدة، سواء على مستوى الشبكات أو الاستخدام الفردي.

تقارير حديثة تشير إلى أن مساهمة الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء عالميًا ارتفعت من 1 في المئة عام 2015 إلى نحو 8.8 في المئة في النصف الأول من 2025، مدفوعة بالحاجة السريعة لطاقة يمكن نشرها بسرعة لتلبية طلب الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
في الخلفية، يظل الاندماج النووي هو الحلم الأكبر. الولايات المتحدة أطلقت خارطة طريق لتحويله من المختبر إلى الواقع، وتسعى خلال العقد المقبل لتطوير بنية تحتية تسمح للقطاع الخاص بالدخول بقوة. مشروع ITER العملاق في فرنسا، المدعوم بتحالف دولي، يمثل حجر الزاوية في هذا المسار، مع وعود بطاقة نظيفة وآمنة بلا نفايات طويلة العمر.

لكن الحقيقة أن الاندماج، رغم إمكاناته الهائلة، لن يكون الحل السحري القريب. فالتحديات الهندسية لا تزال كبيرة، ويُرجح أن يلعب دورًا تكميليًا على مدى نصف قرن، لا بديلًا فوريًا لباقي مصادر الطاقة. ولهذا، يبقى الرهان الواقعي في الوقت الحالي هو تسريع نشر الطاقة المتجددة، بدل انتظار معجزة قد تستغرق عقودًا.