رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مراجعات

الأمم العريقة تنظر دائمًا إلى لغاتها، باعتبارها ذاكرتها الحَيَّة، ودرعًا لهويتها، وبوصلة لثقافتها، وعنوانًا لسيادتها.. فتُحصِّنها بالقوانين، وتغذِّيها بالبحث العلمي، وتنسج لها مكانًا ومكانة في كافة مفاصل الحياة.
كثير من الدول التي تُقَدِّس «لغتها»، لا تسمح للبدائل «الأجنبية» أن تبتلع روح وجودها.. فتحمي مفرداتها من التآكل أو الذوبان، وتفرض على مؤسساتها احترام «لسانها»، في كافة مرافق الحياة العامة، كما هي الحال في ألمانيا وفرنسا واليابان وآيسلندا. 
ورغم أن «العربية» في الترتيب الرابع، كلغة رسمية عالمية، ويتحدث بلسانها حوالي 480 مليون إنسان، إذ تعتبر «الأقدم» و«الأم» لجميع اللغات «الحيَّة» و«السامية»، منذ بدء الخليقة، إلا أن «الأمة» التي أنزل الله كتابها بلسانٍ عربيٍّ مبين، ارتضت لنفسها أن تهجر لسانها، لا لأن «العربية» قاصرة، بل لأن أهلها أهملوها وقَصَّروا في الحفاظ عليها.
بكل أسف، أصبحت «لغة الضَّاد» ـ في منطقتنا «المنكوبة» ـ هوية ضائعة، إذ تواجه خطرًا حقيقيًّا، بعد أن بات كثيرون يعاملونها بجفاء رسمي، واحتقارٍ وازدراءٍ طبقي، و«استسهال» اجتماعي، فأُقْصِيَت من ميادين العلم بحجة «الانفتاح»، أو استُبدلت باللهجات المحلية في الإعلام، حتى تسللت الغُربة إلى أفواه الأطفال، قبل أن التسلل إلى عقولهم!
الآن يلوح سؤال يؤرق الضمير العربي «الغائب»: هل ما زالت «اللغة» التي شَيَّدت حضارة كاملة، وامتدت ظلالها الوارفة، من تخوم الصين إلى ضفاف الأندلس، «حيَّة» تسكن الوجدان، أم انزاحت إلى هامش الحياة.. تُسْتَدعى بروتوكوليًا وتُهمَّش واقعيًّا؟!
إن احترام اللغة ليس تعصُّبًا، بل انتماء للهوية، إذ لا يمكن لأمة أن تنهض وهي تتكلم بلسان غيرها، وبالتالي فإن المشكلة ليست في اللغة ذاتها، بل في رغبة المتحدثين بها، أو في قدرتهم على إعادة الاعتبار لها، أو في أمم اختارت أن تتنازل عن «صوتها» قبل كلماتها.
بكل أسف، أصبحت «العربية» لغة «غريبة» في أوطانها، منذ أن «انتكس» العرب، وأصبحوا يعيشون على الهامش.. لا يملكون غذاءهم ودواءهم وسلاحهم، حتى أنهم باتوا يستوردون النظريات والأفكار والثقافة.. مثل استيراد البضائع والسلع!
في يومها العالمي، نتصور أن هناك فرصة حقيقية للمراجعة، والتذكير بأن اللغة ليست ذكرى نُحييها، بل مسؤولية نحملها.. فلا هوية وطنية، أو فكر أو إبداع  أو وعي من دون «لغة»، خصوصًا أنها تربط حاضر الأمة بماضيها، وتمنح مستقبلها معنى لا تصنعه اللغات المستوردة، مهما بلغت قيمتها!
أخيرًا.. في اليوم العالمي للغة العربية ـ الذي يصادف 18 ديسمبر ـ نرجو أن يُجَسِّد دعوة صادقة، لتعزيز وعي الأمة، والحفاظ على ما تبقى من جذور وأصالة، والتمسك بـ«اللسان» الذي يُشكل حضارة سامية، والتأكيد على أن الهوية لا تُسترد إلا حين نتحدث بلغتنا بلا خجل، ونكتب بها بلا تردد.

فصل الخطاب:

ليس أخطر على الهوية، من أمة تُهمل لغتها، أو تعتقد أن التحضر والارتقاء لا يكون إلا بالتخلي عنها.

 

[email protected]