أسيوط تصرخ منذ اللحظة التي وطأت فيها أقدام وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو أرض المحافظة، صرخة مكتومة تحمل إحباط سنوات من الإهمال والتجاهل، صرخة تقول بصوت عال، كفى صورا بلا فعل، كفى زيارات عابرة لا تحدث أي أثر.
فقد أعادت زيارة وزير الثقافة إلى أسيوط الأخيرة فتح الجرح القديم الذي تحاول وزارة الثقافة تجميله منذ سنوات؛ كثافة في الظهور، وندرة في الفعل، حضور رسمي لامع، وواقع ثقافي باهت ينتظر من يمد إليه يدا حقيقية لا مجرد ابتسامة بروتوكولية.
الوزير جاء يظن أنه قادر على إسكات الانتقادات بابتسامة بروتوكولية، لكن الحقيقة أمامه صادمة، الثقافة هنا ليست مجرد لافتة، بل دماء مجتمع يطالب بالعمل الحقيقي.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحا أن الزيارة لم تكن أكثر من إعادة تمثيل لمسرحية قديمة، المرور على قصور الثقافة، تفقد صوري، كلمات معسولة، ووعود بلا مضمون.
تحدث الدكتور أحمد فؤاد هنو عن "العبث" داخل المنشآت، وكأن هذا الاعتراف وحده كاف، وكأن تصريحاته الساخرة مثل "ذوي الاحتياجات الخاصة بيعملوا شغل أحسن من ده" ستعيد الحياة لما تهدم، لكن الواقع أقسى من كل كلمات الوزير.
قصور الثقافة التي زارها الوزير ليست مجرد مبان، هي جروح مفتوحة، مهملة منذ عقود، أبطالها موظفون يعانون من ضعف التدريب، وميزانيات بالكاد تكفي للصيانة، وفنون شعبية تركت تذبل بلا اهتمام، الوزير لم يحضر معه أي قيادات حقيقية لتغيير السياسات، كل ما شاهده كان مجرد مشهد عابر، بلا قرار، بلا خطة، بلا إرادة إصلاحية حقيقية.
المركزية الكارثية التي تعيشها وزارة الثقافة أثبتت مرة أخرى فشلها، كل قرار ينتظر توقيعا من القاهرة، كل مبادرة تتعثر في دوامة البيروقراطية، وكل حلم ثقافي في المحافظات يقمع قبل أن يولد، أسيوط ليست هامشا يمكن تجاهله، هي قلب الصعيد وعاصمته، تاريخها غني، وأهلها يستحقون أكثر من زيارة موسمية تحمل صورا وإعلاما فقط.
زيارة الوزير، التي كان يفترض أن تكون لحظة فارقة، تحولت إلى إعادة ترتيب ديكور، لم تعلن أي خطة واضحة لتطوير البنية التحتية، لم يقدم دعم حقيقي للكوادر، ولم تعط الفرص الحقيقية للشباب والمواهب المحلية، الأنشطة الثقافية هنا ليست عابرة، هي رئة المجتمع، والوزارة تجاهلتها تماما.
حين تحدث الوزير عن المعارض وورش الفنون، بدا الأمر وكأنه يسعى لإظهار صورة مثالية، بينما الواقع يقول عكس ذلك، قصور الثقافة تهالك المباني، الموظفون غائبون، والأنشطة تكرر نفسها عاما بعد عام بلا رؤية، كل الصور والتصريحات لم تكن سوى محاولة لتجميل الفشل الإداري.
الدرس الذي خرجت به أسيوط واضح: الثقافة في المحافظات ليست ضعيفة لأنها هامشية، بل لأنها تدار كأنها هامشية، وكل زيارة وزاري بدون إرادة حقيقية للإصلاح لا تعدو كونها مسرحية جديدة على حساب جهود المواطنين.
ما تحتاجه وزارة الثقافة ليس جولة جديدة ولا تصريحات لامعة، بل فلسفة جديدة، خطة تنفيذية، دعم مستمر، تمكين حقيقي للمحافظات، وإعادة هيكلة المؤسسات لتصبح منصات إنتاج معرفي وإبداعي حقيقي، أسيوط تنتظر إرادة قوية، لا صورا ومؤتمرات بروتوكولية.
تحتاج ثقافة أسيوط إرادة واضحة لا مجرد كلمات وغضب مرحلي وزارة الثقافة مطالبة اليوم بأن تتحول إلى جهة تنفيذية حقيقية تدعم المبدعين وتضع برامج مستدامة للتطوير وتركز على النتائج وليس المظاهر الوزير أحمد فؤاد هنو أمام فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للثقافة في الصعيد لكن اختياره للزيارات الشكلية وإهمال الخطط التنفيذية يكرر نفس الأخطاء ويزيد من شعور المبدعين بالإحباط.
الحقيقة المرة أن هذه الزيارة لم تلامس العمق الثقافي ولم تحقق أي فرق يذكر على أرض الواقع الثقافة ليست قطاع احتفالي ولا يمكن إدارتها باللقاءات العابرة والمشاهد الإعلامية، وزارة الثقافة مطالبة بتغيير فلسفة التعامل مع المحافظات من محطة زيارات إلى شريك استراتيجي يمنحها الصلاحيات والموارد ويتيح للمواهب المحلية أن تتحرك بحرية وإبداع ولتنشأ بنية ثقافية مستدامة.
لو أراد الوزير أن يجعل زيارته أسيوط حدثا ذا معنى كان يجب عليه أن يضع خطة متكاملة تشمل تطوير المباني والكوادر والبرامج الثقافية والفنية مع آليات متابعة صارمة وأن يكون مرافقا له قيادات الهيئة العامة لقصور الثقافة لتفعيل القرارات فورا وتجاوز حلقات الانتظار المركزية هذه الخطوات كانت لتجعل من أسيوط نموذجا حيا للثقافة في الصعيد بدلا من مجرد محطة بروتوكولية.