رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر


يبدو الأدب أكثر حيادياً فى تدوين التاريخ السياسى، إذ لا يعتمد على شهادات واقعية، بقدر ما يعتمد على انعكاسات إجتماعية يُمكن أن تؤرخ بعفوية لعصر ما. 
وهذه الفكرة اعتمدها باحثون ونقاد معاصرون لاستقراء التاريخ المصرى المعاصر من خلال الأدب، وكان الناقد والروائى الراحل مصطفى بيومى أحد أبرز هؤلاء حيث قدم لنا شهادة نجيب محفوظ عن عصور الملك فؤاد، والملك فاروق، وجمال عبد الناصر، والسادات من خلال أعماله الروائية. 
ولاشك أن زمن الرئيس مبارك لم يحظى بعد بقراءات موضوعية، نظرا لقُرب العهد، وتداخل مصالح البعض، وتذبذب الشهادات وفقا لتذبذب مواقع الشهود، إلى جانب مقارنات الحال الآنى بذاك. 
من هُنا كانت لرواية أشرف العشماوى الأحدث «السيمفونية الأخيرة» الصادرة مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية صدىً واسعاً بين جمهور القراءة الواسع، ليس فقط لبراعته وتمكنه وقدرته الفائقة على تقديم سرد ماتع، وإنما لأنه يكاد يكون أول من يقدم قراءة تاريخية غير مباشرة للتاريخ السياسى لعصر مبارك. 
الفكرة الرئيسية للرواية تقوم على حكاية موظف بمراسم الجمهورية، يعمل منذ عهد الرئيس السادات، ويستمر مع خليفته، لكنه فى وقت ما ونتيجة اهتمام مبارك المبالغ فيه بالأمن يتم نقله فى أول خطأ بسيط ضابطا متخصصا فى مواجهة النشاط السياسى. يخوض بطل الرواية صراعا شرسا ضد سمات وقواعد العمل، وتحكمات الأسرة، وتحولات البشر، لكنه يرتبط بحب حقيقى قديم يمثل طاقة النور الوحيدة فى حياته. ثُم يدفعه هذا الحب إلى استخدام سلطته الأمنية فى إزاحة منافسه على قلب حبيبته بكل طريقة ممكنة، ليصل إلى حد القبض عليه وإخفائه قسرياً لسنوات طويلة تحت زعم أنه شخص خطير سياسياً على النظام، لتتمدد حكاية تراجيدية ساحرة، وماتعة لا تتكشف نهاياتها إلا بعد 2011.
فى خلفية القصة، إشارات لافتة لمبارك وشخصه وزمنه وسمات النظام السياسى لعهده، حيث يُقدم لنا أشرف العشماوى إشارات أكثر قربا عن الرجل وصفاته ولوازمه الكلامية وأساليبه السياسية وتوجهاته الإنسانية، وسبل تعامله مع الآخرين. وهكذا نرى قراءة جديدة فذة لشخصية الرئيس مبارك، فهو ليس القائد العشوائى الواهن كما كان يتراءى لكثيرين، وإنما هو شخص حاد الذكاء، شديد الخبث، ذاتوى، يؤمن بأمنه ويضعه فوق كل اعتبار، ولديه قدرة كبيرة على المراوغة، ولا توجد اعتبارات إنسانية لديه سوى تلك التى تصب فى صالحه. والنظام الأمنى هو الأولوية الأهم لدولة مبارك، والنص برمته يمثل إدانة للانتهاكات المرتكبة عبر العصور باسم الأمن. 
ولا شك أن الشهادة الأدبية على عصر مبارك ترد فى نص بديع يصور طائرة مغادرة مبارك إلى شرم الشيخ بعد انتفاضة 2011 يقول «خرج مبارك من التاريخ بنفس الطريقة التى دخل بها، على متن طائرة تحلق فوق الرؤوس، لكن شتان بين المرتين، فى الأولى كان يحلق فوق رؤوس أعداء ليقتلهم، الآن كتم أنفاس مواطنين، ثُم طار مبتعداً عنهم، ولم يعد أحد بوسعه كتابة كلمة النهاية».
يبدو قهر الإنسان عملاً معتاداً فى بلاد الشرق، تختلط حسابات مصالح الوطن بمصالح أمنيين كثر وشخصيات ذات نفوذ، ما ينتج عنه ظلم بشع يمثل لطخة عار بالانظمة السلطوية. ولاشك أن زمن الرئيس مبارك – رغم حنين البعض له- كان أحد فصول الدولة القائمة منذ يوليو 1952، وهو ما رصدته الرواية الجميلة الذى يستحق كاتبها تحية الباحث قبل المبدع والقادر دائماً على إمتاع وإدهاش قرائه.
والله أعلم.
[email protected]