راجعات
من مفارقات الحياة، أن تُقْبِلَ على شيء، ترغبه وتتمناه، لتجده يفرُّ منك، ثم تُعرِض عنه، فيأتيك طائعًا بين يديك، من دون عناءٍ أو مَشَقَّة.. وكأن في هذا الكون سُنَّة خفيَّة لا تُدركها العقول أو الأبصار.
لذلك، يظل «الاستغناء» واحدًا من أعمق أشكال الحكمة وأكثرها نقاءً، إذ إنه ليس انسحابًا من الحياة، بقدر ما هو انتقاء واعٍ لما يليق بالروح.. تمامًا مثل فضيلتي «الرضا»، التي في جوهرها ليست قَيْدًا على الطموح، و«القناعة» كقدرةٍ نادرةٍ بأن يرى الإنسان قيمة النعمة، قبل أن يطاردَ وَهْم الزيادة.
نتصور أنه حين يستغني الإنسان عن الشيء ـ طَوْعًا وبإرادة حرة نابعة من أعماقه ـ ويزهد فيه زُهد الواثق الراضي القانع، سيُدرك ويكتشف في تلك اللحظة، أن حاجته الحقيقية ليست فيما يملكه، بل فيما يستغني عنه.
ذلك «الاستغناء» يجعلنا نتحرر من أَسْر الرَّغَبات، فننجو من تَبِعات التعلُّق، ونستعيد الهدوء والسَّكينة، ولذلك فإن الزُّهد في الشيء لا يعني الفقر، كما أن الغنى لا يعني الامتلاك، بل إنك تَمْلِك ولا تُمْلَك، وتبسط يدك على الدنيا، دون أن تبسط الدنيا يدها عليك.
يمكننا ملاحظة ذلك بوضوح، في علاقاتنا الإنسانية، وتفاصيل حياتنا الصغيرة، حين نتوق إلى أمرٍ ما، بإفراطٍ شديد، ونجده يبتعد عنَّا كطَيْفٍ هاربٍ، لكن حين نهدأ ونُعرض عنه، نراه يعود إلينا متودِّدًا، كأنه ينتظر لحظة استغنائنا.. ليدنو ويقترب.
إذن، كم من غايةٍ لم نحققها بجهدٍ، وكم من رغبة مُلِحَّة أفقدتنا القدرة على النوم والراحة، وكم من أمنيةٍ لم تتحقق حين لهثنا خلفها.. لكنها حتمًا ستأتي بالطمأنينةٍ والاستغناء والزُّهد.
إن «الاستغناء» ـ برأينا ـ يمثل مدرسة الحرية الحقيقية، فالمستغنِي هو سيِّد نفسه وقراره.. لا تهزُّه تقلبات الأيام، ولا تُربكه خسارة، فما أجمل أن يُدرك الإنسان أن الأشياء ستأتي خاضعةً، حين لا يُصبح أسيرًا لها، وحين يكفُّ عن التوسُّل إليها، أو التهافت عليها، فالأقدار لا تستجيب لإلحاحنا، بل تخضع لمن يزهد في التملّك، ويوقن أن ما قُدِّرَ له لن يخطئه.
يقينًا، ومن واقع الحياة، لا يُطفئ الزُّهد الرغبة، بل يُطهِّرها من شوائب التعلُّق، فيجعل الإنسان ساعيًا دؤوبًا، لا بدافع النقص، بل من فَيضِ الكفاية، وطالبًا وراغبًا، لا عن عَوَزٍ، بل عن وعيٍ وإدارك، بأن العطاء الحقيقي يبدأ حين نُمسك عن التعلُّق بما نطلب.. وتلك هي حكمة الحياة، التي لا يُدركها إلا من جَرَّبها.
أخيرًا.. مهما ركضتَ وراء «آمالك»، ستفر منك فرار «الظِلِّ» من «الساعي إليه»، وإن أعرضتَ عنها بوجهك، تبعتك لا محالة، ولذلك فإن «الاستغناء»، ليس رفضًا للحياة، بل يمكن أن نعتبره أرقى أشكال التملُّك.
فصل الخطاب:
يقول «الإمام عليّ»: «امنن على من شئتَ تكن أميره، واحتج إلى من شئتَ تكن أسيره، واستغنِ عمَّن شئتَ تكن نظيره».