لم يكن ما يعيشه الاقتصاد المصري اليوم من اضطرابٍ وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية بدأت منذ لحظة ما سُمِّي في السبعينيات بالانفتاح الاقتصادي — أو بالأدق، “الانفتاح العشوائي” الذي فُتح بلا رؤية ولا تخطيط ولا ضوابط، فحوّل الاقتصاد من مشروعٍ وطني طموح إلى سوقٍ فوضوية مفتوحة لكل أنواع الفساد والمضاربات
فحين خرجت مصر من حرب أكتوبر، كانت بحاجة إلى بناء قاعدة إنتاجية متينة، لا إلى سباق استهلاكي محموم. لكن قانون الاستثمار الذي صدر عقب إعلان الانفتاح جاء غامضًا وفضفاضًا، يترك القرارات الكبرى للمزاج الشخصي والسلطة التقديرية دون قواعد مكتوبة.
كان من المفترض أن يكون الانفتاح الاقتصادي مرحلة حذرة من الادخار وتنظيم الموارد، لكنه تحوّل إلى بابٍ خلفي للمضاربات والثراء السريع.
سمح القانون لأول مرة بالاستيراد من دون تحويل عملة، فصار ثمن السلع يُدفع من مدخرات المصريين العاملين بالخارج دون أن تمر هذه العملات على البنك المركزي، أي “من بره بره”!
وكانت النتيجة موجة استهلاكية عارمة استوردت كل ما لا تحتاجه مصر — من الفستق والشيكولاتة إلى السفن آب — بينما كان الوطن في أمس الحاجة إلى آلات الإنتاج لا إلى رفوف السوبرماركت.
من رحم هذا الانفتاح غير المنضبط وُلدت طبقة جديدة من "رجال الأعمال الورقيين" — مغامرون بلا خبرة، راكموا الثروات عبر الاستيراد والمضاربة، ثم تحوّلوا بمرور الوقت إلى نخبٍ اقتصادية وسياسية نافذة.
لقد وصف الدكتور عبد العزيز حجازي، رئيس الوزراء حينها، المشهد بدقة حين أشار إلى “قوى عاتية” دفعت بهذا الاتجاه، حتى دخلت عناصر غريبة عالم المال والتجارة، فكانت النتيجة أن تحوّل الاقتصاد إلى مضمار للفهلوة والتربح السريع.
وبين عامي 1974 و1984، قفزت ديون مصر الخارجية من مليار دولار إلى أكثر من 30 مليار دولار — قفزة مروعة تعكس حجم الاختلال وسوء التقدير، إذ لم يصحبها أي نمو إنتاجي حقيقي أو توسع صناعي.
بعد ارتفاع أسعار النفط عام 1973، تدفقت على مصر تحويلات ضخمة من العاملين بالخارج، وبلغت العملات الصعبة ذروتها.
كانت تلك فرصة تاريخية لبناء اقتصاد منتج ومستقل، لكنها ضاعت وسط الفوضى. لم تُستثمر الأموال في المصانع أو الزراعة أو التكنولوجيا، بل ذهبت إلى استيراد السلع الكمالية وتضخم السوق السوداء.
فبدلًا من أن تسبح الدولة في بحر من التنمية، غرقت الأسواق في بحر من الاستهلاك.
من انفتاحٍ عشوائي إلى انغلاقٍ إجباري
ومع مرور السنوات، وبعد أن استُنزفت الموارد وارتفعت المديونيات، وجدت مصر نفسها في مواجهة انغلاقٍ اقتصاديٍ إجباري فرضته شروط الدائنين والواقع الصعب.
لم يكن الانغلاق قرارًا وطنيًا لإعادة الهيكلة، بل خيارًا اضطراريًا لإنقاذ ما تبقّى من توازن هش.
هكذا انتقلت البلاد من انفتاح بلا حساب إلى انغلاق بلا إرادة.
فأصبحت بصدد اقتصاد بلا هوية... وسياسات بلا بوصلة
فضاعت هوية الاقتصاد المصري بين الشعارات:
فلا هو رأسمالي قائم على الإنتاج والمنافسة،
ولا اشتراكي منظم يوجّه الموارد بخطة وطنية،
ولا مختلط متوازن بين الاثنين
بل أصبح اقتصادًا تابعًا، تُوجِّهه التسويات الأجنبية وشروط القروض والخصخصة العشوائية، وكأن الهدف لم يكن الإصلاح بل تفكيك البنية الاقتصادية الوطنية وإعادتها إلى التبعية.
إن ما نعانيه اليوم من تضخمٍ وعجزٍ وركودٍ إنتاجي ليس إلا ثمرة سياساتٍ قصيرة النظر حكمتها ثقافة “الفهلوة” والكسب السريع.
لقد دُفعت مصر إلى الانغلاق لا بإرادتها، بل نتيجة عقود من الاستهلاك بلا إنتاج والاستيراد بلا تخطيط والانفتاح بلا ضابط.
ولا مخرج من هذا المأزق إلا عبر انفتاح منضبط قائم على الإنتاج الحقيقي والحوكمة والعدالة الاقتصادية، انفتاحٍ لا يسمح بأن تتحول الأسواق إلى فوضى، ولا أن تُدار الدولة بمنطق “الفرصة السانحة”، بل بمنطق التخطيط والعلم والمسؤولية.
إن اقتصادًا بلا هوية، هو كجسدٍ بلا قلب، لا يعيش إلا على ما يُضخّ فيه من الخارج — ولا يلبث أن ينهار حين يتوقف الضخ.