تأملات
هذه السطور ليست لتحديد قول فصل فى خطة ترامب لوقف الحرب فى غزة والتى توشك على إنهاء عامها الثانى، ويأتى هذا لأن الخطة ذاتها مربكة ومثيرة للخلاف داخل كل معسكر، سواء الفلسطينى العربى الإسلامى أو حتى الإسرائيلى، حتى أنه يمكن وصفها دون تردد بأنها «فتنة». وإذا كان ذلك من طبائع الأمور باعتبار أن مثل هذه الخطط يجب أن تكون توافقية أى تحقق جوانب من مطالب كل طرف وتجور على جوانب أخرى، إلا أن المشكلة هذه المرة أن الخطة تتضمن العديد من النقاط الغامضة غير الواضحة، والأخرى التى تثير شهيتك لقبولها ومنها على سبيل المثال الإقرار بوقف فكرة التهجير لأهالى غزة– على الأقل فى المدى المنظور– وبدء عملية سياسية تداوى آثار العمليات العسكرية الإسرائيلية على مدى السنتين الماضيتين والتى حولت القطاع لأرض محروقة غير صالحة للمعيشة.
ربما يمثل هذان الجانبان الأساس الذى تستند عليه الدول العربية والإسلامية التى انغمست فى عملية الوصول إلى هذه الخطة وراحت ترحب بما اعتبرته جهود ترامب لوقف الحرب فى غزة. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد فهناك الكثير من الجوانب الأخرى المثيرة للمشاكل فى خطة ترامب ومنها وضع غزة تحت إدارة دولية أقرب إلى سلطة انتداب هو على رأسها، ولا يتصور سوى ساذج أن توجهاته ورؤيته لإدارتها ستكون أقرب إلى تحقيق التصورات الإسرائيلية بشأن طبيعة مستقبل وضع غزة.
خذ مثلاً نزع سلاح المقاومة وألا تكون غزة مصدر تهديد لجيرانها بضمانة إقليمية ودولية– المقصود أساسًا إسرائيل– إذا أخذنا فى الاعتبار أن ذلك سيتضمنه اتفاق دولى فلك أن تتصور ما ستؤول إليه الأمور لجهة بقاء غزة رهينة الإرادة الإسرائيلية دون قدرة على الرد. الأكثر مدعاة للتساؤل أن الخطة تغفل الحديث عن مستقبل الوضع فيما يتعلق بإقامة دولة فلسطينية مع صياغة تقبل تفسيرات متعددة وتيسر الطريق أمام عدم تحقق هذا المطلب.
لو استمعت لأطراف مختلفة فلسطينية عربية فستجد لكل طرف منطقه فى قبول أو رفض الخطة، فالبعض سيسوق لك أن وقف الحرب ضرورة أكثر من ملحة وهو أمر تقره حماس ذاتها، ما يعنى أن استمرار الحرب ليس فى صالح الفلسطينيين، وأنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان، باعتبار أن شكل أى تسوية يرتبط بما يجرى على الأرض، وأن الواقع يقول أن الجانب الفلسطينى يواجه مأساة ربما لم يواجهها من قبل. فيما يرى الفريق الآخر أن الخطة ربما تكون بداية النهاية لتصفية القضية الفلسطينية وإن بشكل مختلف عن الأشكال المباشرة التى تصر على اتباعها حكومة نتنياهو، هى خطة لخنق القضية بقفاز من حرير، ويذهب هذا الفريق إلى أن ترامب لم يكن ليطرح خطته سوى بعد التوافق مع نتنياهو ولإدراكه أن استمرار الحرب يمثل خسارة لإسرائيل فى ظل تزايد عزلتها الدولية.
ليس أدل على ما نشير اليه بشأن الطبيعة المثيرة للجدل للخطة من اعلان حماس عن أنها تدرسها، وسط مؤشرات على أنها قد تقبلها فى إطارها العام، ما يعزز فكرة أنها خطة ملغمة تم من خلالها مزج السم فى العسل.
ربما يعيدنا ذلك إلى المربع صفر والمتعلق بأن ذلك ليس سوى انعكاس لميزان القوى العسكرى والسياسى والاقتصادى، بين طرفى الصراع، وأن أوراقًا عربية كثيرة ربما لم تستخدم كان يمكن لها أن تغير من شكل الخطة والتى يمكن القول باطمئنان أنها خطة أمريكية إسرائيلية، أو بالأحرى خطة ترامبية– نتنياهوية بامتياز، على نحو لا نملك معه سوى الأمل بأن ينجح مفاوضونا فى تحسين شروطها للأفضل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض