تأملات
حديثى فى هذه السطور ينصرف إلى دلالة الزخم الحاصل حول مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، الأمر الذى اكتسب أهمية كبرى باعتراف بريطانيا وكندا واستراليا والبرتغال بها مع توقعات بزيادة العدد لتنضم فرنسا إلى القائمة وغيرها.
بعيدًا عن الجدال الحاصل حول مدى جدوى هذا الاعتراف وتأثيره على أرض الواقع وكونه لا يغير من الأمور شيئًا فى منظور البعض، فإن المسألة لا يجب أن تؤخذ على هذا النحو من التبسيط، وإن كانت زاوية تركيزنا هنا مختلفة وتتعلق بالموقف الأمريكى الإسرائيلى وهو موقف يكاد أن يتطابق فى الجوهر، وإن اختلف فى مستوى حدة الرفض لتلك الخطوة.
باختصار هذا الموقف يعتبر إذا أمعنا النظر ذا دلالة بالغة الأهمية والخطورة وهى استحالة تحقق السلام «العادل» وفق المنظور العربى، وأن ما كان يجرى من عمليات على مدار العقود الماضية إنما هو جر العرب لتحقيق السلام على الأرضية الإسرائيلية الأمريكية. بمعنى آخر لم يكن ما جرى على نحو تصور معه بعض العرب أن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل تقر وستقبل فى النهاية بفكرة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة سوى نوع من الخداع الإستراتيجى الذى لا شك ينتهى وفق القائمين على التخطيط له بتحقيق الأهداف الإسرائيلية فى المنطقة بمساعدة امريكية فيما يخرج الطرف الثانى وهو الدول العربية خالية الوفاض. وهو ما يجعلنا نشير مثلًا إلى أن نهج أوسلو الذى بشرنا بمرحلة انتقالية من الحكم الذاتى تنتهى بنا إلى تحقق حلم الدولة الفلسطينية لم يكن سوى نوع من التطويع المرحلى لدخول السلطة الفلسطينية ومعها باقى العرب لطور آخر من التسليم بالمطامع الإسرائيلية.
ويبدو ذلك واضحًا فى موقف إدارة ترامب وتصريحاته شخصيًا والتى راح فيها يقلل من جدوى مثل هذه الخطوة من أقرب حلفائه، بل واعتبارها فارغة من الجوهر. فيما راح نتنياهو برد فعل حاسم بعد عودته إلى إسرائيل فى تخوف لدى البعض من أن يكون رد الفعل ذاك هو إعلان ضم الضفة فى تحد كبير لإرادة المجتمع الدولى كله.
ما نريد أن نقوله إن الوقت قد حان لما يمكن أن نعتبره نزع الأوهام بشأن طبيعة العلاقة وطبيعة الارتباط مع الولايات المتحدة وما يمكن أن يترتب على هذه العلاقة مع إسرائيل، فواشنطن لن تقدم فى وقت من الأوقات على اتخاذ خطوة فيها ما يساند الحق العربى اذا تعلق بإسرائيل، وإسرائيل لن تقبل سوى بعرب قابلين لفكرة هيمنتها ورؤيتها لطبيعة الأوضاع فى المنطقة، وعلى رأسها عدم قيام دولة فلسطينية وهو أمر أعلن نتنياهو رؤيته بصراحة بشأنه.
ومن عجب أنه رغم وضوح هذه الأهداف بشكل لا يمكن أن تخطئه العين، فإن بعضنا يصر على أن يرتمى فى أحضان الإدارات الأمريكية والأمثلة أكثر من أن تحصى حتى بعد أن يأخذ هؤلاء العرب على رؤوسهم من واشنطن وتل أبيب!!!
فى هذا الإطار ربما يأتى الفخ الذى نتصور أن ترامب ينصبه للقادة العرب خلال اللقاء الذى دعا لعقده مع مجموعة من قادة الدول العربية بالإضافة إلى تركيا، وهو لقاء من المؤكد أنه لا يمكن أن يخرج بأى حال من الأحوال بتأييد واشنطن للدولة الفلسطينية رغم أنه التزام أكدت عليه كافة الإدارات هناك باستثناء ادارة ترامب، وإنما قد يمثل محاولة لإجبار الجانب العربى على قبول طروحات الإدارة الأمريكية لمستقبل الوضع فى غزة والذى لا يحقق الحد الأدنى من الآمال العربية والفلسطينية.
دون كثير من التفصيل فإن الدرس الذى يجب أن نخرج به هو أن ذلك التطور المتعلق بالدولة الفلسطينية يجب أن يجلى الغشاوة عن أعيننا بشأن نوايا التحالف الأمريكى الإسرائيلى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض