دهون وسكريات وزيوت صناعية تهدد حياتنا
الوجبات السريعة.. سم قاتل
تحذيرات من سلاح الترويج.. وتوصيات بالبدائل الصحية
مع ازدياد ضغوط الحياة اليومية وضيق الوقت أصبحت الوجبات السريعة والمصنعة ضيفًا سامًا على موائد كثير من الأسر، ينجذب إليها الأطفال ويرها البعض أنها حل عملى وسريع وسط الضغوطات وضيق الوقت إلا أنها فى الواقع تمثل تهديدًا صامتًا لصحة الأبناء وتصبح عادة يصعب التخلص منها.
وفى الوقت الذى يعتقد فيه البعض أن الضرر يقتصر على زيادة الوزن، يحذر خبراء التغذية وأطباء الأطفال من آثارها السلبية منها السمنة وضعف المناعة، اضطرابات الجهاز الهضمى وتاثيرها على التركيز والسلوك داخل المدرسة.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الأطفال الذين يتناولون أطعمة عالية الدهون والسكريات بشكل منتظم أكثر عرضة للمعاناة من الاكتئاب والقلق وفرط الحركة، مقارنة بالأطفال الذين يعتمدون على وجبات متوازنة، كما أظهرت أبحاث أخرى أن الوجبات السريعة قد تؤثر على النوم وجودته، وهو ما ينعكس مباشرة على التركيز. وهذه التأثيرات لا تنفصل عن أزمة أكبر تتعلق بسوء التغذية بين الأطفال، إذ تشير الإحصائيات إلى أن سوء التغذية يعد من أكبر المشاكل الصحية التى تواجه الأطفال فى مصر، ووفقًا لليونيسف تصنف مصر ضمن 36 دولة يتركز فيها نحو 90% من عبء سوء التغذية عالميًا.
سوء التغذية
وعلى الرغم من الانخفاض الملحوظ فى معدلات وفيات الأطفال خلال السنوات الأخيرة، فإن مؤشرات سوء التغذية لا تزال مرتفعة، خاصة بين الأطفال دون سن الخامسة، وقد أظهرت البيانات أن معدلات التقزم بين الأطفال دون الخامسة بلغت نحو 21% عام 2023، فيما وصلت معدلات الهزال (النحافة) إلى حوالى 5%، فى حين يعانى ما يقرب من 18% من الأطفال فى الفئة العمرية نفسها من زيادة الوزن أو السمنة. وتشير تقارير حديثة إلى أن حوالى 14% من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائى، بينما يعيش نحو 21% من المصريين فى فقر متعدد الأبعاد، ويقع 29.7% تحت خط الفقر من حيث الدخل.
وفاة الطفل حمزة
هذه الأرقام لا تبقى مجرد نسب، بل تعكس حقائق مأساوية كان أبرزها وفاة الطفل حمزة البالغ من العمر 13 عامًا فى منطقة المرج بالقاهرة بعد أن تناول ثلاثة أكياس من الشعرية سريعة التحضير، ما أدى إلى ظهور أعراض شديدة منها قيء، آلام شديدة فى البطن، إسهال، وهبوط حاد فى ضغط الدم، وتوفى بعد ساعتين فقط من نقله إلى المستشفى. وأظهرت تحقيقات النيابة العامة أن المنتج مطابق للمواصفات، وأن الحادثة لم تكن نتيجة فساد غذائى ما يرجح أن الوفاة ناتجة عن تناول كمية من المنتج.
هذه الحادثة أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعى، حيث طالب العديد بضرورة تشديد الرقابة على المنتجات الغذائية سريعة التحضير، وزيادة الوعى لدى الاسر والأطفال بخطورة هذه الأطعمة عند استهلاكها بشكل خاطئ أو مفرط.
معاناة الآباء
منى أحمد أم لطفلين تقول: أحيانًا يكون الحل الأسهل أمامى بعد يوم طويل هو شراء وجبة جاهزة، خصوصًا إذا كان الأولاد جائعين ومستعجلين. ولكن بحس بالذنب بعد ذلك، لأننى أعلم أنها ليست صحية.
وأضاف والد آخر، «حاولنا تعليم أولادنا الاعتماد على الفواكه والخضروات، لكن الإعلانات المستمرة على التلفزيون واليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعى المختلفة تجعلهم يصرون على طلب البيتزا أو الشيبسى يوميًا، وفى بعض الأحيان نضطر للاستسلام لتجنب الصراخ».
وأكد بعض الآباء أنهم لاحظوا تغيرات على أبنائهم بعد الإفراط فى تناول هذه الأطعمة، منها العصبية الزائدة وفرط الحركة، إضافة إلى مشاكل فى النوم والهضم. ويشير معظمهم إلى أنهم يحتاجون إلى دعم من المدارس والمجتمع لزرع عادات غذائية سليمة منذ الصغر، بدلًا من الاعتماد فقط على الجهود المنزلية.
داخل المدارس
الخطر لا يقتصر على البيت، فهو فى المدارس أيضًا، حيث أصبح «الكانتين» مكان لانتشار الوجبات غير الصحية وحلويات غنية بالسكر بدلًا من الفاكهة أو السندوتشات الصحية. ويؤكد أولياء الأمور أن غياب الرقابة يجعل الأمر أصعب، إذ لا يستطيعون السيطرة على ما يشتريه الأطفال خلال اليوم الدراسى.
مخاطر العادات الغذائية
أكد الدكتور أحمد غانم دكتور الأطفال، أن الوجبات السريعة والمصنعة أصبحت من أخطر العادات الغذائية التى تهدد صحة الأطفال فى مصر، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأسر تلجأ إليها كخيار سريع وسهل لكنها لا تدرك حجم الأضرار التى تتركها على المدى البعيد.
وأوضح غانم أن الاعتماد المتكرر على الأطعمة الجاهزة الغنية بالدهون والسكريات يؤدى إلى السمنة المبكرة، وهى من أكثر الظواهر التى يواجهها الأطباء الآن داخل عيادات الأطفال، وأضاف أن هذه الزيادة فى الوزن لا تعد مجرد مشكلة شكلية، بل ترتبط بارتفاع معدلات الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكرى وارتفاع ضغط الدم فى سن صغيرة جدًا.
وأشار إلى أن هذه الوجبات تؤدى أيضًا إلى ضعف المناعة وتكرار الإصابة بالالتهابات ونزلات البرد، فضلًا عن اضطرابات الجهاز الهضمى مثل الإمساك والارتجاع كما حذر من أن بعض المواد الحافظة والدهون المهدرجة قد تؤثر على نمو الطفل العقلى والنفسى، حيث ترتبط بزيادة العصبية وفرط الحركة وضعف التركيز داخل الفصول الدراسية.
وشدد غانم أن خطورة هذه الأطعمة ليست فقط فى مكوناتها، بل فى سهولة حصول الأطفال عليها، خاصة مع الدعاية الموجهة لهم التى تجعلهم يفضلونها على الأكل المنزلى. وأوضح أن الطفل يعتاد على ما يُقدم له، لذلك تتحمل الأسرة المسئولية الأكبر فى تعويده على العادات الصحية منذ الصغر.
إضرار أجهزة الجسم
حذر دكتور الأطفال أحمد غانم من مشروبات الطاقة ومن خطورة الاعتماد عليها بشكل متكرر، موضحًا أنها قد تتحول من وسيلة يظنها البعض محفزة للنشاط إلى سبب مباشر فى تدمير أجهزة حيوية بالجسم.
وأكد أن هذه المشروبات تؤثر على الجهاز العصبى فتزيد التوتر والعصبية، كما تضر الكلى والكبد على المدى الطويل، وتسبب اضطرابًا فى انتظام ضربات القلب مع زيادة واضحة فى الخفقان،وهو ما يرفع بدوره احتمالية الإصابة بارتفاع ضغط الدم والنوبات القلبية».
كما أن الإفراط فى تناولها يسبب الجلطات وتصلب الشرايين وسكتات قلبية ودماغية حادة، لاحتوائها على نسب عالية من الكافيين والمنبهات والسكريات والدهون.
واختتم حديثه قائلًا: «بشكل عام لا ننصح الأطفال ولا حتى البالغين بشرب هذه المشروبات، فهى لا تحمل أى فائدة غذائية أو صحية، والبديل الأفضل هو الاعتماد على العصائر الطبيعية الطازجة، والإكثار من شرب المياه بما لا يقل عن لترين يوميًا للحفاظ على النشاط والحيوية دون تعريض الجسم لمخاطر قاتلة، مشددًا على أهمية تقديم بدائل بسيطة وصحية داخل المنزل مثل الوجبات الخفيفة من الخضروات والفاكهة، لافتًا إلى أن الأمر لا يحتاج جهدًا كبيرًا، لكنه يتطلب وعيًا من الأهل وإصرارًا على حماية أبنائهم من مخاطر قد تلازمهم طوال حياتهم.
خطورة المواد الحافظة
وعلى الجانب الآخر أوضحت دكتور نرمين حنفى أخصائية التغذية العلاجية أن تناول الشعرية سريعة التحضير لا يؤثر مباشرة على نمو الأطفال أو صحة العظام، مشيرة إلى أن المشكلة تكمن فى المادة المعروفة باسم «الملح الصينى»، والتى يُفضل عدم الإفراط فى تناولها خلال الشهر.
وأكدت حنفى أن تناول كميات كبيرة من هذه المادة قد يؤثر على الصحة العامة، لكنه نادرًا ما يسبب مضاعفات شديدة مثل الوفاة، إلا فى حالات الحساسية المفرطة لدى بعض الأطفال.
وأضافت أن المواد الحافظة الموجودة فى الأطعمة الجاهزة والحلويات تؤثر على مناعة الأطفال، وقد تزيد من حالات الحساسية لدى الأطفال المصابين بالربو أو مشاكل الصدر. ونصحت د. حنفى بأن يكون استهلاك الاندومى محدودًا، بمعدل مرة أو مرتين فى الشهر، خاصة وأن الصوديوم موجود أيضًا فى اللحوم المصنعة مثل البرجر والسجق والسوسيس واللانشون.
وأوضحت أن الموضوع مرتبط بالتوازن الغذائى، قائلة: «إذا كان الطفل يتناول نظامًا متوازنًا طوال الأسبوع يشمل خضار وفاكهة وماء، فإن تناول مثل هذه الأطعمة مرة واحدة لن يضر، أما إذا كان النظام الغذائى غير متوازن، فسيكون التأثير سلبيًا».
السم الصامت
وحذرت دكتور نرمين أيضًا من مشروبات الطاقة، معتبرة أنها «سم صامت» على صحة الأطفال والشباب، لأنها تحتوى على كميات عالية من الكافيين الذى يزيد ضربات القلب ويرفع ضغط الدم ويؤدى أحيانًا إلى ضيق الأوعية الدموية وحدوث مضاعفات خطيرة مثل نزيف المخ.
وأوضحت أن الشاى والقهوة الطبيعيين يحتويان على كافيين مصحوب بمركبات مضادة تساعد على امتصاصه بشكل أبطأ ما يجعل تأثيره أقل خطورة مقارنة بمشروبات الطاقة.
واختمت إخصائية التغذية العلاجية حديثها بالتأكيد على ضرورة الالتزام بتحذيرات العمر المناسبة لهذه المشروبات، قائلة: «يجب أن تكون مشروبات الطاقة ممنوعة على الأطفال، ومن تتجاوز أعمارهم 18 عامًا فقط هم من يمكنهم شربها بحذر ووعى».