رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

فيروز، أيقونة الغناء العربى، وُلدت نهاد حداد فى بيروت عام 1935، لتصبح لاحقًا رمزًا فنيًا وثقافيًا نادرًا، تتقاطع فيه العبقرية الموسيقية مع البساطة الصوفية، والحنين مع الحزن، ومنذ بداياتها تسلّلت إلى كافة القلوب العربية بصوتٍ لا يشبه غيره: صوتٌ يشبه طلوع الفجر، يُشعل الحنين فى النفوس، ويُهدهد وجعها. غنّت للبنان، لفلسطين، للقدس، للشوق، للغائبين، للقرى والناس، للأمل رغم الدمار، وكان حضورها دائمًا أكبر من السياسة والطوائف والانقسامات.

موقف فيروز خلال الحرب التزمت الصمت السياسى العلنى إلى حد بعيد. لم تنحز إلى أى طرف من أطراف النزاع اللبنانى، ولم تصدر تصريحات سياسية مباشرة، وعلى عكس كثير من الفنانين، بقيت فى بيروت خلال معظم فترات الحرب، ولم تغنِ لأى فصيل سياسى. لدرجة إنه يُقال إن فيروز عندما كانت تنتقل من بيروت الغربية إلى الشرقية (أو العكس)، كانت الفصائل توقف إطلاق النار احترامًا لها، ويُفسّر ذلك على أنه نوع من “الهدنة الرمزية” لفنانة تجمع بين الأطراف المتنازعة.

لم تحضر فيروز الحفلات بكثرة، وكذلك إعلاميًا، ومع هذا كانت حاضرة فى كل شارع وبيت فى كل دكان ومقهى. ولا يكاد يمرّ صباح عربى دون أن تُسمع “كان الزمان وكان…” أو “زهرة المدائن”، أو “بكتب اسمك يا حبيبي”. فكانت هى اللغة المشتركة بين العرب رغم اختلاف لهجاتهم وتوجهاتهم.

وكان رحيل ابنها زياد الرحبانى فى يوليو الماضى، وهو يعتبر ركنًا من أركان التجديد الموسيقى فى العالم العربى، وكان رحيله صدمة فنية وإنسانية. ليس لأنه فقط موسيقى ومسرحى ومبدع استثنائى، بل لأنه كان الابن والرفيق والشريك لفيروز فى مرحلة طويلة من مسيرتها.

وفى جنازته حضرت الام وكان صمتها البكاء، والذى أبكى جمهورها معها. لم تتكلم، لم تُصدر بيانًا، لكن الوجع كان ظاهرًا فى كل العيون. شعر به العالم العربى أجمعه الذى رأها بعد الغياب الطويل. ولكن مباشرةً شعر الجميع إن هذه الأم العظيمة، قد انكسر شيء فى قلبها. فقدت ابنها، ورفيق لحنها، ومن نقل صوتها إلى أبعاد جديدة، أكثر جُرأة وعمقًا.

والسؤال.. ما هو السر فى حب العرب لفيروز هو أنها لا تُشبه أحدًا. لم تتورط فى صخب الشهرة، ولم تسعَ إلى استعراض القوة أو التفاخر. غنّت للجميع، من القلب، وبقيت وفيّة لصوتها ولرسالتها. هى الأم، والحنان، والذاكرة، وهى الصوت الذى رافقنا فى الحب، فى الفقد، فى المنفى، وفى العودة.

فيروز ليست فقط فنانة عظيمة، بل هى حالة وجدانية نادرة، لا تتكرر. وكلما عصفت بالعالم العربى الأزمات، نعود إلى صوتها كمن يعود إلى حضن الأمّ. فرغم الحزن الذى يلفّها بعد وفاة زياد، ستبقى فيروز فى الذاكرة، فى الروح، فى الأغانى. وربما، كما غنّت يومًا؛ نحن لا ننسى، ولا نكفّ عن الحب.

أنتِ لنا، كما كنتِ دومًا: فيروز العرب.

[email protected]